الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن الدنح المبارك

الأحد الرابع بعد عيد الدنح
(2 شباط 2019)

::: مـدخــل :::

• في هذا الأحد الرّابع من زمن الدنح، نتأمّل في أهميّة الحوار مع الربّ الّذي يحرّرنا من كلّ القيود ليطلقنا أحرارًا بالإيمان والرّجاء والمحبّة.
• في رسالة هذا الأحد، يدعونا مار بولس إلى الإلتزام بالشريعة ليس بكونها فرضًا واجبًا بل درب حياة نسيره بقناعة وبحبٍّ مطلق لمَن يعطي المعنى لكلّ حياتنا ولكلّ وجودنا!
• في إنجيل اليوم، نسأل ذواتنا حول مدى توقنا إلى لقاء الله، على مثال السامريّة، وحول إستعدادنا، على مثالها أيضًا، للتحاور بالصلاة معه وترجمة ثمار هذا اللقاء إلى شهادةٍ أمام الآخرين!
• لنسأل الله أن يحرّرنا على الدوام من كلّ ما يأسرنا ويبعدنا عنه. 

::: صـلاة :::

أيّها الإبن السماويّ، يا من أدخلت بشريّتنا في قلب ألوهيّتك، أعطنا بقوّة روحك القدّوس أن نحوّل صلاتنا إلى حوارٍ عميق معك فنحوّلها إلى لقاء تمجيدٍ لأبيك المبارك، أبينا السّماوي، فيمجّد بنا وفي كلّ شيء أسمك القدّوس من الآن وإلى الأبد، آمين. 

::: الرسالة :::

1 أَيُّهَا الإِخْوَة، إِنِّي أُكَلِّمُكُم كأُنَاسٍ يَعْرِفُونَ الشَّرِيعَة: هَلْ تَجْهَلُونَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ تتَسَلَّطُ عَلى الإِنْسَانِ مَا دَامَ حَيًّا؟
2 فَالـمَرْأَةُ الـمُتَزَوِّجَةُ تَرْبُطُهَا الشَّرِيعَةُ بِزَوجِهَا مَا دَامَ حَيًّا، ولـكِنْ إِذَا مَاتَ زَوجُهَا، أُعْتِقَتْ مِنَ الشَّرِيعَةِ الَّتي تَرْبُطُهَا بِهِ.
3 فَإِنْ صَارَتْ لِرَجُلٍ آخَر، وَزَوْجُهَا حَيّ، تُدْعَى زَانِيَة. وَلـكِنْ إِذَا مَاتَ زَوجُهَا فَهِيَ حُرَّةٌ مِنَ الشَّرِيعَة، ولا تَكُونُ زَانِيَة إِنْ صَارَتْ لِرَجُلٍ آخَر.
4 هـكَذَا أَنْتُم أَيْضًا يَا إِخْوَتي، قَدْ مُتُّم عَنِ الشَّرِيعَةِ بِجَسَدِ الـمَسِيح، لِكَي تَصِيرُوا لآخَر، وهُوَ الَّذي أُقِيمَ مِنْ بَينِ الأَمْوَات، حتَّى نُثْمِرَ لله.
5 فعِنْدَمَا كُنَّا أُنَاسًا جَسَدِييِّن، كَانَتْ أَهْوَاءُ الـخَطايَا تَغْتَنِمُ الشَّرِيعَةَ لِتَعْمَلَ في أَعْضَائِنَا، حتَّى نُثْمِرَ لِلمَوت.
6 أَمَّا الآنَ فقَدْ أُعْتِقْنَا مِنَ الشَّرِيعَة، لأَنَّنَا مُتْنَا عَمَّا كَانَ يَأْسُرُنَا، حتَّى نَعْبُدَ اللهَ في نِظَامِ الرُّوحِ الـجَدِيد، لا في نِظَامِ الـحَرفِ العَتِيق.

(الّرسالة إلى أهل روما – الفصل السابع – الآيات 1 إلى 6) 

::: تأمّـل من وحي الرسالة :::

(سبق نشره في 2017)

مع قراءة هذا النصّ، سيخطر على بالنا حتمًا سؤال: هل كانت الشّريعة بهذا السوء حتّى قال مار بولس لأهل روما: "أَمَّا الآنَ فقَدْ أُعْتِقْنَا مِنَ الشَّرِيعَة، لأَنَّنَا مُتْنَا عَمَّا كَانَ يَأْسُرُنَا، حتَّى نَعْبُدَ اللهَ في نِظَامِ الرُّوحِ الـجَدِيد، لا في نِظَامِ الـحَرفِ العَتِيق"؟!
ولكن، مَن يعرف جيّدًا بيئة الربّ يسوع التاريخيّة وإستطرادًا بيئة مار بولس سيعرف أنّ الربّ أو بولس لم يتعرّضا في معرض البشارة إلى جوهر الشريعة بل إلى ما آلت إليه أساليب تطبيقها لدى معاصريهما من غرق في القشور على حساب الجوهر!
لقد وضع الفرّيسيّون تعاليم تطبيقيّة للشريعة أدّت إلى إضافة تفاصيل كثيرة متعلّقة بالحياة اليوميّة أودت بالنّاس إلى الغرق في حسابات تفصيليّة كإحتساب المسافات المسموح بمشيها يوم السبت على حساب جوهر تخصيص يوم السبت لعبادة الربّ على سبيل المثال لا الحصر.
مع الوقت، تحوّلت هذه الإحتسابات إلى قيودٍ للإيمان الّذي أضحى، في نظرهم، الإلتزام بهذه الشّرائع التطبيقيّة ولو أدّى ذلك إلى إختناق الجوهر فأضحت الرّحمة ثانويّةً بالنسبة إليهم وأضحى تطبيق القوانين هو الأهمّ.
وبعنوانٍ أعرض يمكن القول إنّ الإنسان أضحى يأتي ثانيًا خلف إعتبارات الفهم الضيّق للنّصوص المقدّسة.
لقد ناقض الربّ في رسالته الخلاصيّة هذا المفهوم "القانونيّ" وأعاد إلى الإنسان مرتبته الأولى فأضحى خلاصه وراحته وسلامه هي الأساس وأعاد التشديد بأنّ القانون أو الشريعة إنّما وُجدا لخدمة الإنسان لا لإستعباد أو لتقييده بإجراءات "شكليّة" في مقابل جوهرٍ وُجِدَ لتحريره من قيود الحياة الماديّة في سبيل إعلاء جوهره الرّوحيّ كإبن لله.
هذا ما يستعيده مار بولس في هذا المقطع من رسالته إلى أهل روما ليدعو المؤمنين في هذه الكنيسة النّاشئة إلى البحث عن جوهر رسالة يسوع المسيح وإلى عدم الغرق في تفاصيل الشريعة القديمة إن كانوا يهودًا أو فيما كانوا يعرفونه عن عوائدهم إن كانوا من الوثنيّين.
هذا المقطع يتوجّه إلينا أيضًا ليدعونا إلى عدم الغرق في تفاصيل العادات أو الطقّوس متناسين الأهمّ في إيماننا المسيحيّ، أي الرحمة والمحبّة والغفران التي تحرّر قلبنا وفكرنا وضميرنا من أعباءٍ لا تفيدنا ولا تفيد سوانا.
الإلتزام بالشريعة ليس فرضًا واجبًا بل درب حياة نسيرها بقناعة وبحبٍّ مطلق لمن يعطي المعنى لكلّ حياتنا ولكلّ وجودنا!

::: الإنجيل :::

5 فَأَتَى إِلى مَدِينَةٍ مِنَ السَّامِرَةِ يُقَالُ لَهَا سُوخَار، عَلى مَقْرُبَةٍ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي أَعْطَاهَا يَعْقُوبُ لإبْنِهِ يُوسُف،
6 وفِيها نَبْعُ يَعْقُوب. وكَانَ يَسُوعُ قَدْ تَعِبَ مِنَ الـمَسِير، فَجَلَسَ عِنْدَ النَّبْع، وكَانَتِ السَّاعَةُ نَحْوَ الظُّهْر.
7 وجَاءَتِ إمْرَأَةٌ مِنَ السَّامِرَةِ لِتَسْتَقِيَ مَاء، فقَالَ لَهَا يَسُوع: "أَعْطينِي لأَشْرَب"؛
9 فقَالَتْ لَهُ الـمَرْأَةُ السَّامِريَّة: "كَيْفَ تَطْلُبُ مِنِّي أَنْ تَشْرَب، وأَنْتَ يَهُودِيّ، وأَنَا إمْرَأَةٌ سَامِرِيَّة؟". قَالَتْ هـذَا، لأَنَّ اليَهُودَ لا يُخَالِطُونَ السَّامِريِّين.
10 أَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ لَهَا: "لَو كُنْتِ تَعْرِفِينَ عَطِيَّةَ الله، ومَنِ القَائِلُ لَكِ: أَعْطينِي لأَشْرَب، لَطَلَبْتِ أَنْتِ مِنْهُ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيًّا".
11 قَالَتْ لَهُ الـمَرْأَة: "يَا سَيِّد، لا دَلْوَ مَعَكَ، والبِئْرُ عَمِيقَة، فَمِنْ أَيْنَ لَكَ الـمَاءُ الـحَيّ؟
12 هَلْ أَنْتَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا يَعْقُوب، الَّذي أَعْطَانَا هـذِهِ البِئْر، ومِنْهَا شَرِبَ هُوَ وبَنُوهُ ومَاشِيَتُهُ؟".
13 أَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ لَهَا: "كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هـذَا الـمَاءِ يَعْطَشُ مِنْ جَدِيد.
14 أَمَّا مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الـمَاءِ الَّذي أُعْطِيهِ أَنَا إِيَّاه، فَلَنْ يَعْطَشَ إِلى الأَبَد، بَلِ الـمَاءُ الَّذي أُعْطِيهِ إِيَّاهُ يَصِيرُ فيهِ نَبْعَ مَاءٍ يَتَفَجَّرُ حَيَاةً أَبَدِيَّة".
15 قَالَتْ لَهُ الـمَرْأَة: "يَا سَيِّد، أَعْطِنِي هـذَا الـمَاء، حَتَّى لا أَعْطَش، ولا أَعُودَ إِلى هُنَا لأَسْتَقِي".
16 قَالَ لَهَا: "إِذْهَبِي، وإدْعِي زَوْجَكِ، وعُودِي إِلى هُنَا".
17 أَجَابَتِ الـمَرْأَةُ وقَالَتْ لَهُ: "لا زَوْجَ لِي". قَالَ لَهَا يَسُوع: "حَسَنًا قُلْتِ: لا زَوْجَ لِي.
18 فَقَدْ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاج، والَّذي لَكِ الآنَ لَيْسَ هُوَ زَوْجَكِ. صَدَقْتِ في مَا قُلْتِ".
19 قَالَتْ لَهُ الـمَرْأَة: "يَا سَيِّد، أَرَى أَنَّكَ نَبِيّ.
20 آبَاؤُنَا سَجَدُوا في هـذَا الـجَبَل، وأَنْتُم تَقُولُون: إِنَّ الـمَكَانَ الَّذي فَيهِ يَجِبُ السُّجُودُ هُوَ في أُورَشَلِيم".
21 قَالَ لَهَا يَسُوع: "صَدِّقِينِي، يَا امْرَأَة. تَأْتِي سَاعَةٌ، فِيهَا تَسْجُدُونَ لِلآب، لا في هـذَا الـجَبَل، ولا في أُورَشَلِيم.
22 أَنْتُم تَسْجُدُونَ لِمَا لا تَعْلَمُون، ونَحْنُ نَسْجُدُ لِمَا نَعْلَم، لأَنَّ الخَلاصَ هُوَ مِنَ اليَهُود.
23 ولـكِنْ تَأْتِي سَاعَة، وهِيَ الآن، فِيهَا السَّاجِدُونَ الـحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ والـحَقّ. فَعَلى مِثَالِ هـؤُلاءِ يُريدُ الآبُ السَّاجِدينَ لَهُ.
24 اللهُ رُوح، وعَلى السَّاجِدِينَ لَهُ أَنْ يَسْجُدُوا بِالرُّوحِ والـحَقّ".
25 قَالَتْ لَهُ الـمَرْأَة: "أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ مَشِيحَا، أَيِ الـمَسِيح، آتٍ؛ وعِنْدَمَا يَأْتِي فَهُوَ يُخْبِرُنَا بِكُلِّ شَيء".
26 قَالَ لَهَا يَسُوع: "أَنَا هُوَ، أَنَا الـمُتَكَلِّمُ مَعَكِ".

(إنجيل يوحنّا – الفصل الرابع – الآيات 5 إلى 7 و 9 إلى 26)

::: تـــأمّل من وحي الإنجيل :::

في عصرنا الحالي، كثيرون يدّعون الحرص على الإيمان وعلى الأعراف والتقاليد...

وردت في إنجيل اليوم عبارة أساسيّة، مستقاة من هذا الحوار ما بين الربّ يسوع والسامريّة، تعطي مفتاح قراءةٍ لحياتنا الكنسيّة وهي: "السَّاجِدُونَ الحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِٱلرُّوحِ والحَقّ. فَعَلى مِثَالِ هؤُلاءِ يُريدُ الآبُ السَّاجِدينَ لَهُ". فمن يريد أن يحمي الكنيسة عليه أن يكون مصلّيًا ومليئًا من روح الحقّ فلا يجرّح ولا يشهّر بل يضيء على الأخطاء دون أن يُدين الخاطئ كي يترك له فرصةً للتوية وللعودة إلى سياق المسيرة نحو تحقيق ملكوت الله في الأرض.

في داخل كلّ واحدٍ منّا توقٌ إلى لقاء الله، على مثال السامريّة، ولكن، هل لديه أيضًا إستعدادها للتحاور بالصلاة معه وترجمة ثمار هذا اللقاء إلى شهادةٍ أمام الآخرين؟!

::: قــراءة آبـائية :::

مُبَارَكٌ مَنْ غَفَرَ ذُنوبَكُمْ
لِكَيْ تَتَنَاوَلُوا جَسَدَهُ بِطَهارَة

وَرَدَتْ أَغْنَامُ يَعقوب،
وَأَحَاطَتْ بِئرَ المِيَاه
لَبِسَتْ بالمِيَاهِ صُوَرًا
لِتِلكَ الخَشَبَة المُتَوَشِّحَة
بِرُموزِ وَأَمْثَالِ الصَّليب
الّذي تَفَسَّرَتْ بِهِ الأَلغاز.

صَوَّرَ بالقُضْبَانِ أَشْكَالاً
وَبالنِّعَاجِ أَلغَازًا
الصَّليبُ تَفَسَّرَ بالقُضبَان
وَالنُّفوسُ بالنِّعَاج
كَانَتْ خَشَبَتُهُ رَمْزًا لِخَشَبَتِنَا
وَأَغْنَامُهُ رَمْزًا لِرَعِيَّتِنَا

رَقَصَتْ أَغْنَامُ المَسيح
وَأَحَاطَتْ بالمَعْمُوْدِيَّة
لَبِسَتْ بالمِيَاه
صُوَرَ الصَّليبِ الحَيّ وَالجَميل
الّذي نَظَرَتْ إلَيْهِ كُلُّ الخَلِيْقَة
وَطُبِعَتْ كُلُّهَا بِكُلِّهِ

(قراءة من أناشيد الدّنح لمار أفرام السرياني- النشيد السابع 1-3)

::: تــــأمّـل روحي :::

أحبّك أكثر من ذاتي

في عصرٍ يطغى فيه حديث الآلة على حديث الـ"وجهًا لوجه"، بدأ التفاعل المباشر يضمحلّ بغياب تعابير العينين والإبتسامة وحركة الجسد المريحة التي ترافق الكلمة. أصبح الحديث مزاجيًّا والرد عليه أو المشاركة فيه أو الإستغناء عنه مِلك الإبهام، إذ بنقرة صغيرة تُسكت مَن يُكلمك دون أن يرى ما يقوله وجهك وحتّى قلبك وتلخّصت قيمة التفاعل، الأفعال وردّات الأفعال، والأحاسيس والمنطق في مستطيلٍ من شرائح وأسلكة معدنية باردة، تحفظ في ذاكرتها كلّ ماضيك وحاضرك وتفاهاتك وكلامك الفارغ وصورك لتُكوّن عنك data صوَريَّة لا تشبهك في الواقع لأنّها تخلو من الحياة ووضعك في كلّ لحظةٍ زوّدتها بمعلومة عنك مقروءة، مسموعة أو مرئيّة: إنّها كارثة الكوارث في الحياة العلائقيّة الغير مضبوطة وغير واعية.

هذه الحقيقة أخذتني إلى بئر يعقوب وقصّة السامرية مع يسوع. قصّة أخذٍ وعطاء، هروبٍ وحاجة، خجل بالذات وحوار يُعيد إلى الحياة نفسًا تائهة... فأخذتُ أقول في نفسي ماذا كان لَحَدَث لو أنّ الآلة حلّت مكان اللقاء المباشر؟

أعتقد أنّها لكانت علمت بوجود شخصٍ غريب هناك وآثرت الإختباء إلى حين مغادرته، فهي إمرأة متقلّبة، تبحث عن إستقرارٍ ما وإكتفاءٍ يُعيدها إلى طمأنينتها وراحة قلبها، فتتنقّل من زوجٍ لآخر دون جدوى حتّى آثرت المساكنة علّها ترتاح، لكنّ واقعها المؤلم لم يرحمها فباتت تخجل من نفسها وتنتظر الظهيرة، حيث الكلّ نيام، لتستقي.

فرصة إلتقائها بيسوع عند البئر وجهًا لوجه هي التي فتحت قلبها على القبول بالحوار معه- معلومًا أن اليهود لا يخالطون السامريين- لم تقرأ في حديثه سوى الرجاء وعبورٍ من المستحيل إلى الممكن المؤكّد حدوثه، لقد وجدت مَن تبحث عنه، "المسيّا"، ففرِحت إلى درجةٍ أنّها ركضت نحو الساحة بين الناس الّذين لطالما إختبأت من نظراتهم الدونيّة لها، مبادرةً أمامهم بإعترافٍ حميم: كشْفِه عن ماضيها وحاضرها، معلنةً هويّته، فخرج معها الكثير ممّن كانوا هناك إلى يسوع (يو 4: 29-30).

أليس هذا هو الشخص الّذي ينتظر إلتقاءنا معه وجهًا لوجهٍ في الإفخارستيّا؟
أليس هو من يريدنا أن نصغي إليه حين يُحاورنا، وهو أهمّ مَن يصغي إلينا ويجيبنا من واقع حياتنا؟
أليس هو إبن الله الّذي يرى في كلٍّ منّا، كائنًا مَن كنّا، شخصًا مدعوًا لحياةٍ جديدة ملؤها الحبّ، ولمستقبلٍ يغمره الإطمئنان؟

اليوم كلّنا مدعوّون لقبول دعوته لنا في أن نلتقيه، نتعرّف إليه أكثر فأكثر، ندخل خطوةً خطوة في سرّ حبّه الخلاصي من خلال علاقة متميّزة معه لنكتشف كم يرغب أن يأخذنا إلى أبعد من ذاتنا، أبعد من خطيئتنا، أبعد من حدود بشريّتنا الضعيفة. هو يرى فينا مساحةً للتلاقي به من خلال كلمته وقربانه، يرى وعدًا يتحقّق ورجاءً يتنامى ليصبح اللامعقولُ معقولاً والغير ممكن ممكنًا معه.
اليوم كلّنا مدعوّون لنكون بصحبته ونجلس بحضرته لنشعر بإحتضانه لنا مؤمنين بأن إبهامه لم ولن يرفعه في وجهنا ليؤنّبنا على ضعفنا أو خطيئتنا، إساءاتنا أو حتّى جريمتنا بل سنلحظه يشير به إلى الدم والماء اللّذان سالا من قلبه المجروح على الصليب من أجلي ومن أجلك.

هلمّوا معي لنترك آلاتنا ونلتقيه في عمق أعماقنا حيث سنسمعه يهمس في باطن كلّ منّا: "أحبّك أكثر من ذاتي". 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... كثيرون لم يفهموا أن الغاية من الإيمان بك هي أن تصبح هناك علاقة حميمة أو وديّة بينك وبيننا، نشعر فيها أنك تعرف عنّا كل شيء: ماضينا وحاضرنا، صدقنا وكذبنا، ما نخفيه عنك وما نتفوّه به أمامك في صلاتنا ... الغاية من الإيمان هو أن نعرف لمَن نسجد ونصلّي دون أن نعتقد بأنه عدوّنا ولا يجوز التقرّب منه، أن نعرف الخالق ومَن أرسل، بتدرّج ودون فرض أمورٍ قد لا تكون معقولة للعقل البشري فتُرفض، بل بإستنتاجاتٍ متدرّجة لتصل إلى كمال الحق: فقير طالب رحمة وبالوقت عينه هو معطيها، نبي، المسيح المخلّص المعلّم بمعنى الطريق لقلبه.

ربّي وإلهي ... أنا لا أودُّ أن يكون لي إلهًا غيرك لأعبده بالروح والحق أي لأحبه دون تكليف وخوف، فأنت إلهي الّذي أحبّني وخرج باحثًا عني ووجدني وفتح ذراعيه ليضمني ويُشعرني بالأمان، أمدّني بكلّ ما أحتاج إليه لأحيا بستره: مأكل ومشرب وملبس ومأوى. أنت إلهٌ لا مثيل له، متواضع إذ تنازلت وتكلّمت معي وعرّفتني بذاتك، وأرجو أن أستطيع أن أُخبّر الآخرين عنك ولعلّهم يُصدّقون. أجل، سيُصدّقون فهم أيضًا عطاشى لمن يقول لهم "أنّي أحببتكم"، وكلّ ما علّي أن أفعل هو أن أُزيل الخوف من قلبي لأُبشّر.

ربّي وإلهي ... معرفتك بلا شك تُغيّر الإنسان، معرفتك تحوّل الجسد إلى روحٍ يُبصر ويسجد محبّةً وتواضعًا لا صُغرةً وقهرًا أو تفاخرًا، معرفتك تُزيل الحواجز فيما بيننا وتُبقي السلام والرجاء في القلب وتعطي القدرة على التحمل والجلد لتوخّي درب الإيمان ومواجهة كل الصعاب. دعنا نتقرّب منك أكثر ونحبّك ونعبدك كما تشاء بالروح والحق، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(سبق نشرها في 2014)

1- (المحتفل) مِن أجلِ الكنيسة والمسؤولين فيها، خاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيديكتوس السادس عشر، البابا الفخريّ، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، وأبينا مار نصرالله، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ على إسمَك القدّوس، كَي يَتَحرَّروا من الشريعة بالَّذي ماتَ عنِ الشريعة، وينشُروا العِبادةَ والسجود بالروحِ والحَق، نسألك يا رَب.
2- قلبًا نقيًّا أُخلُق فينا، فنَسكُبَ ذاتَنا أمامك بِكلِّ صِدقٍ وأمانةٍ، مهما كَثُرَت فينا الخَطايا، ومهما طالَت فترةُ الإبتِعادِ عنك، فلا نَخجل ونموت، بَل نثقُ بكَ ونَحيا، نسألكَ يا رب.
3- نقدِّمُ لك أبناءَنا وبناتَنا، باركهُم بِنِعمتِكَ، وعَزِّهِم بِرَحمَتِك، فَيَتغَلَّبوا على أهواءِ الخَطايا الّتي تَسعى لِمَوتِهم، لِيُبصِروا خلاصَك بالمسيحِ الّذي جعلتَه نورًا للأُمَم وآيةً لِنُهوضِ الكثيرين، نسألك يا رب.
4- نَضَعُ أمامكَ جميعَ المَرضَى، وخاصَّةً ذَوي الأمراضِ المُستَعصِيَة والمُميتة، كُن لَهُم العَزاءَ وإمنَحهُم الرَجاءَ والأمَلَ بالشِفاء، فلا يَستَسلِموا، وإزرعِ الحُبَّ والرَأفة بِمَن يُحيطُهم، فَيُعامِلوهم بِصَبرٍ وتَضحيَة، نسألكَ يا رب.
5- (المحتفل) نَضَعُ أمامكَ كلَّ مَنِ إنتَقَلوا مِن هذه الحَياة، لا تَنظُر إلى آثامٍ إرتكبوها عن قَصدٍ أو بِغَيرِ مَعرِفة، بل أنظُر إلى وحيدِك الّذي تجسَّد لِخلاصِ الشعوبِ كلِّها ولِيَمنَحنا ماءَ الحياةِ الأبديَّة، غافِرًا لنا ولهم الخطايا والزلاّت.

 

صلاة شكر للقدّاس

(سبق نشرها في 2014)

أعتَقتنا منَ الشريعةِ الَّتي كانت تأسرُنا، كَي نعبُدُكَ بالروحِ والحَقّ،
ومنَحتَنا ماءَ الحياةِ الأبديَّة، كَي لا نعطشَ أبدًا،
صِرتَ لنا نورًا يَهدينا في دروبِ حياتِنا المُظلِمة،
وخلاصًا مِن سَقطاتِنا المُستمرَّة نحوَ الهاوية،
فشكرًا، وحمدًا، ومجدًا لكَ مع أبيكَ وروحكَ القدّوس، من الآن وإلى الأبد، آمين.


 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المقدّمة ، الصلاة، أفكار من الرسالة، أفكار على ضوء الإنجيل والمراجعة العامّة

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

قراءة آبائية 
الخوري فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts

 

 

 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts