الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن الميلاد المجيد

عيد الميلاد
(25 كانون الأول 2018)

::: مـدخــل :::

• في عيد الميلاد، نرفع قلوبنا إلى العلى شاكرين الله على محبّته العظيمة
• في الرِّسالَةِ إلى العِبرانيين نتأمّل كيف أخلى الإبن ذاته وصار إنسانًا كاملاً حاملاً إيّانا فيه حتى إذا ما ورث بجسده الإنساني كل شيء ببره الذاتي نرث نحن معه وفيه أيضًا الحياة الإلهيّة.!
• في الإنجيل يَروي لوقا حدث الميلاد ويُشركنا في تسبيح السّماويّين والأرضيّين حينما بدأ المسيح الخليقة الجديدة الثانية بميلاده.
• لقد وُلِدَ المسيح وإنتصر على الخطية والموت وإبليس، فهل أستفيد في حياتي اليومية من هذا الإنتصار الّذي منحني إيّاه الرّب؟ 

::: صـلاة :::

نشكرك أيّها الإبن المسيح، يا مَن أعدْتَ المحبّة إلى قلوبنا بتواضعك وإمّحائك من أجلنا ومن أجل خلاصنا الذّي يستمرّ في حياتنا في كلّ مرّة نشارك فيها بعمق في الإفخارستيا حيث نذكر التجسّد والموت والقيامة... هب لنا، اليوم، أن نعي عمق محبّتك لنا، في هذا العيد، فنبادلها بمبادرات خير تجاه الفقير والمظلوم والمتألّم، فيتمجّد بنا وفي كلّ شيء، أسمك القدّوس، يا مَن تحيا وتملك مع الآب والرّوح القدس إلى أبد الدهور، آمين. 

::: الرسالة :::

1 إِنَّ اللهَ كَلَّمَ الآبَاءَ قَدِيْمًا في الأَنْبِيَاء، مَرَّاتٍ كَثِيرَة، وبأَنْواعٍ شَتَّى،
2 وفي آخِرِ هـذِهِ الأَيَّام، كَلَّمَنَا في الإبْن، الَّذي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيء. وبِهِ أَنْشَأَ العَالَمِين.
3 وهُوَ شُعَاعُ مَجْدِهِ وصُورَةُ جَوهَرِهِ، وضَابِطُ الكُلِّ بَكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ. فَبَعْدَمَا أَتَمَّ تَطْهِيرَ الـخَطايَا، جَلَسَ عَنْ يَمِينِ الـجَلالَةِ في الأَعَالِي،
4 فَصَارَ أَعْظَمَ مِنَ الـمَلائِكَة، بِمِقْدَارِ ما الإسْمُ الَّذي وَرِثَهُ أَفْضَلُ مِنْ أَسْمَائِهِم.
5 فَلِمَنْ مِنَ الـمَلائِكَةِ قَالَ اللهُ يَومًا: "أَنْتَ إبْنِي، أَنَا اليَومَ وَلَدْتُكَ"؟ وقَالَ أَيْضًا: "أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا، وهُوَ يَكُونُ ليَ إبْنًا"؟
6 أَمَّا عِنْدَمَا يُدْخِلُ إبْنَهُ البِكْرَ إِلى العَالَمِ فَيَقُول: "فَلْتَسْجُدْ لَهُ جَمِيعُ مَلائِكَةِ الله!".
7 وعَنِ الـمَلائِكَةِ يَقُول: "الصَّانِعُ مَلائِكَتَهُ أَرْوَاحًا، وخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَار".
8 أَمَّا عَنِ الإبْنِ فَيَقُول: "عَرْشُكَ يَا الله، لِدَهْرِ الدَّهْر، وصَولَجَانُ الإسْتِقَامَةِ صَولَجَانُ مُلْكِكَ.
9 أَحْبَبْتَ البِرَّ وأَبْغَضْتَ الإِثْم. لِذلِكَ مَسَحَكَ إِلـهُكَ، يا الله، بِدُهْنِ البَهْجَةِ أَفْضَلَ مِنْ شُرَكَائِكَ".
10 ويَقُولُ أَيْضًا: "أَنتَ، يَا رَبّ، في البَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْض، والسَّمَاوَاتُ صُنْعُ يَدَيْك.
11 هِيَ تَزُولُ وأَنْتَ تَبْقَى، وكُلُّهَا كَالثَّوبِ تَبْلَى،
12 وتَطْوِيهَا كَالرِّدَاء، وكالثَّوبِ تَتَبَدَّل، وأَنْتَ أَنْتَ وسُنُوكَ لَنْ تَفْنَى".
13 وَلِمَنْ مِنَ الـمَلائِكَةِ قالَ اللهُ يَومًا: "إِجْلِسْ عَن يَمِينِي حَتَّى أَجْعَلَ أَعدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْك"؟
14 أَلَيْسُوا جَمِيعُهُم أَرْوَاحًا مُكَلَّفِينَ بِالـخِدْمَة، يُرْسَلُونَ في خِدْمَةٍ لِلَّذِينَ سَوْفَ يَرِثُونَ الـخَلاص؟

 (الرسالة إلى العبرانيّين – الفصل 1 – الآيات 1 إلى 14) 

::: تأمّـل من وحي الرسالة :::

إنَّ الله يتحرك نحونا دائمًا بحركة الإعلان عن حبِّه وهو دائم الحديث معنا. الله ليس في معزل عن الإنسان بل يَودُّ أن يتَّحِد معه لينعم بشركة أمجاده الأبدية. وكلام الله لنا في المسيح يسوع هو روحٌ وحياة وليس مجرد ألفاظ بل هو حياة فعالة.

والله كان يتكلم عن طريق الأنبياء كآلات تعلن صوته، ولكنه الآن يحدثنا في إبنه الذي هو كلمته الواحد مع الآب وبفدائه وهبنا حق الدخول فيه إلى الحياة الأبدية، وصرنا واحدًا مع كلمة الله وأعضاء جسده. لم يعد كلام الله مجرد وصايا نتقبلها لنطيعه، إنما بالأكثر قبول للكلمة الإلهي وثبوت فيه. فيه نلتقي مع الآب كأبٍ لنا. الإبن واحد مع أبيه وهو يحوينا داخله أيضًا بتقديسنا بدمه فنلتقي مع الآب فيه ونتعرف عليه. الفارق الهائل بين إستعلان الله بالكلمة على فم الأنبياء وبين إستعلانه في المسيح كالفرق بين أن نعرف شيئًا عن الله وبين أن نراه ونسمعه ونلمسه. وإن كان كلام الله بالأنبياء لا يزول، فكم بالأحرى كلمته الحيّة أي المسيح. فالله الّذي كلمنا في الأنبياء هو هو نفسه الّذي كلمنا في إبنه ولكن الآن أكمل الإستعلان. في العهد القديم رأينا ظلال الحقائق أما الآن فنرى الحق عينه بل أعطانا الله الروح القدس الّذي به نعرف عقل الله وفكر الله ونرى صورة للمجد الأبدي.

لقد أخلى الإبن ذاته وصار إنسانًا كاملاً حاملاً إيّانا فيه حتى إذا ما ورث بجسده الإنساني كل شيء ببره الذاتي نرث نحن معه وفيه أيضًا. الإبن لن يزداد شيئًا فكل ما هو للآب هو للإبن ولكن نحن سنربح فيه الميراث الأبدي. وقول كاتب الرسالة عن الإبن أنه وارثٌ فهي تعني ناسوت المسيح، فاللاهوت لن يرث شيئًا جديدًا فهو لم يخسر شيئًا أصلاً. وما ناله الجسد من مجد بجلوسه عن يمين الآب كان لصالح البشر، لذلك هو تجسد، فهو لم يكن في حاجة لمجد فهو بلاهوته الأزلي له كل المجد. بل أخذ الجسد ليتمجد به ويعطينا هذا المجد. وهذا ما قاله السيد المسيح في (يو5:17، 22). ففي (يو5:17): "الآن مجدني (بالناسوت) بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" (مجد لاهوته الأزلي). أما في (يو22:17): "وأنا قد أعطيتهم المجد الّذي أعطيتني". فهو تمجّد بجسده البشري لنتمجّد نحن فيه.
وأعداء المسيح هم الخطية والموت وإبليس بل أن المسيح أعطى للمؤمنين هذا السلطان أن يدوسوا الحيات والعقارب فكل إنتصار لنا على هؤلاء هو لمجد أسمه القدوس، فالّذي يغلب حقيقة هو المسيح وليس نحن، فما نحن سوى جنود القتال الّذين يقودهم المسيح. وكأن هذا الوعد للإبن أن الآب يضع أعداؤه موطئًا لقدميه هو مُقدّم لجسد إبنه أي الكنيسة أي لنا نحن.
فهل نعي أن الإبن الإلهيَّ قد تجسَّد، قد تنازلَ لكي يرفعنا إلى مجده؟

هل أحيا بفهم وإدراك أن الإبن الإلهيَّ تجسَّد لكي يورثني الحياة والأمجاد السماوية الأبدية؟

لقد وُلِدَ المسيح وإنتصر على الخطية والموت وإبليس، فهل أستفيد في حياتي اليومية من هذا الإنتصار الّذي منحني إيّاه الرّب؟ 

::: الإنجيل :::

1 وفي تِلْكَ الأَيَّام، صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أَغُوسْطُسَ قَيْصَرَ بِإِحْصَاءِ كُلِّ الـمَعْمُورَة.
2 جَرَى هـذا الإِحْصَاءُ الأَوَّل، عِنْدَمَا كانَ كِيرينيُوسُ والِيًا على سُورِيَّا.
3 وكانَ الـجَمِيعُ يَذهَبُون، كُلُّ واحِدٍ إِلى مَدِينَتِهِ، لِيَكْتَتِبوا فِيهَا.
4 وَصَعِدَ يُوسُفُ أَيضًا مِنَ الـجَلِيل، مِنْ مَدينَةِ النَّاصِرَة، إِلى اليَهُودِيَّة، إِلى مَدينَةِ دَاوُدَ الَّتي تُدْعَى بَيْتَ لَحْم، لأَنَّهُ كَانَ مِن بَيْتِ دَاوُدَ وعَشِيرَتِهِ،
5 لِيَكْتَتِبَ مَعَ مَرْيَمَ خِطِّيبَتِهِ، وهِيَ حَامِل.
6 وفِيمَا كانَا هُنَاك، تَمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِد،
7 فوَلَدَتِ إبنَهَا البِكْر، وَقَمَّطَتْهُ، وأَضْجَعَتْهُ في مِذْوَد، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ في قَاعَةِ الضُّيُوف.
8 وكانَ في تِلْكَ النَّاحِيَةِ رُعَاةٌ يُقِيمُونَ في الـحُقُول، ويَسْهَرُونَ في هَجَعَاتِ اللَّيْلِ على قُطْعَانِهِم.
9 فإِذَا بِمَلاكِ الرَّبِّ قَدْ وقَفَ بِهِم، ومَجْدُ الرَّبِّ أَشْرَقَ حَولَهُم، فَخَافُوا خَوفًا عَظِيمًا.
10 فقالَ لَـهمُ الـمَلاك: "لا تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِلشَّعْبِ كُلِّهِ،
11 لأَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ اليَوْمَ مُخَلِّص، هُوَ الـمَسِيحُ الرَّبّ، في مَدِينَةِ دَاوُد.
12 وهـذِهِ عَلامَةٌ لَكُم: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا، مُضْجَعًا في مِذْوَد!".
13 وإنْضَمَّ فَجْأَةً إِلى الـمَلاكِ جُمْهُورٌ مِنَ الـجُنْدِ السَّمَاوِيِّ يُسَبِّحُونَ اللهَ ويَقُولُون:
14 "الـمَجْدُ للهِ في العُلَى، وعَلى الأَرْضِ السَّلام، والرَّجَاءُ الصَّالِحُ لِبَني البَشَر".
15 ولَمَّا إنْصَرَفَ الـمَلائِكةُ عَنْهُم إِلى السَّمَاء، قالَ الرُّعَاةُ بَعْضُهُم لِبَعْض: "هيَّا بِنَا، إِلى بَيْتَ لَحْم، لِنَرَى هـذَا الأَمْرَ الَّذي حَدَث، وقَد أَعْلَمَنا بِهِ الرَّبّ".
16 وجَاؤُوا مُسْرِعِين، فوَجَدُوا مَرْيمَ ويُوسُف، والطِّفْلَ مُضْجَعًا في الـمِذْوَد.
17 ولَمَّا رَأَوْهُ أَخبَرُوا بِالكَلامِ الَّذي قِيلَ لَهُم في شَأْنِ هـذَا الصَّبِيّ.
18 وجَمِيعُ الَّذِينَ سَمِعُوا، تعَجَّبُوا مِمَّا قَالَهُ لَهُمُ الرُّعَاة.
19 أَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ هـذِهِ الأُمُورَ كُلَّهَا، وتتَأَمَّلُهَا في قَلْبِهَا.
20 ثُمَّ عَادَ الرُّعَاةُ وهُمْ يُمَجِّدُونَ اللهَ ويُسَبِّحُونَهُ على كُلِّ ما سَمِعُوا ورأَوا، حَسَبَما قِيْلَ لَهُم.

 (إنجيل لوقا – الفصل 2 - الآيات 1 إلى 20) 

::: تـــأمّل من وحي الإنجيل :::

كان الإكتتاب بحسب النظام الروماني يمكن أن يتم في أي موضع دون حاجة لإنتقال إنسان إلى مدينته التي نشأ فيها. لكن الرومان أمروا بإجرائه حسب النظام اليهودي، حيث يُسجل كل إنسان إسمه في موطنه الأصلي، فالإكتتاب عند اليهود يكون بحسب الأسباط فالعشائر فالبيوت فالأفراد، وذلك لإهتمام اليهود بالأنساب. وهكذا إلتزم يوسف ومريم أن يذهبا إلى بيت لحم في اليهودية لتسجيل إسميهما لكونهما من بيت داود وعشيرته. وكان تنفيذ الأمر شاقًّا على يوسف الشيخ ومريم الحامل، خاصة وأن المدينة قد إكتظّت بالقادمين فلم يجدوا موضعًا في فندق، وإضطرا لأن تلد القديسة مريم في الإسطبل الملاصق لأحدها وتضع يسوع مقمّطًا في المذود المُخصص لطعام الحيوانات هناك. وهنا نجد أن الله يستخدم الأمر الإمبراطوري بالتعداد والتقاليد اليهودية بأن التعداد يكون كل حسب سبطه ومدينته ليظهر أن المولود يسوع هو نسل داود الّذي تنبأ عنه الأنبياء. وبولادته في بيت لحم تتحقق نبوة ميخا (2:5).

لم تشعر الأرض بميلاد المسيح، لم يشعر الكهنة ولا العظماء ولا الفريسيين.. إلخ. ولكن السماء إهتزت، ولم تستطع أن تصمت أمام هذا المشهد العجيب؛ فإله السماء، ها هو الآن في مذود. والملائكة بشروا الرعاة بأنه "وُلد لكم"، فكل ما حدث هو للبشر. فالمسيح وُلِد فقيرًا ليغني كثيرين وولد متواضعًا ليرفع المتّضعين، وبقدر ما نكون له يكون هو أيضًا لنا. وبقدر ما نبذل لأجله ونعطيه تكون مكاسبنا.
مخلصٌ هو المسيح الرّب، الله الّذي تأنس وصار إنسانًا ومُسِحَ بالروح القدس ليكون ملكًا وكاهنًا ونبيًّا. لقد سبّحته القوات السمائية لأن لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة. فلقد وُلِد كثير من الأنبياء العظماء ولم يتهلّل السمائيّون هكذا فهم جميعًا كانوا خدامًا لهذا المولود.

لقد هتفت الملائكة وسبّحت حينما بدأ المسيح الخليقة الجديدة الثانية بميلاده. فبعد أن سادت الخطية والعصيان والإنقسام جاء المسيح ملك السلام ليسود السلام. فبتجسّد المسيح وفدائه صارت المسرّة بعودة الإنسان، الإبن الضال إلى حضن الآب، فقال الآب لنا بإبنه يسوع "هذا هو إبني الحبيب الّذي به سررت".

فالمجد للآب في الأعالي والمجد للإبن الّذي تجسد ووُلِد ليأتي بالسلام للبشر، والمجد للروح القدس جعل خلاصنا ممكنًا بتجسد المسيح المخلص. 

::: قراءة آبائيّــة  :::

فَهَلْ عَبَثًا تَجَسَّدَ المَسيح؟ هَل تَعاليمُنَا هِيَ مُجَرَّد كَلِمَات مُنَمَّقَة وَادِّعاءاتٍ بَشَرِيَّة؟ أَلَيْسَ الكِتَابُ المُقَدَّسُ وَنُبُوؤات الأنبياء هِيَ لِخَلاصِنَا؟ فإحْفَظ إذًا هذه الوَديعَة، وَلا يَحِدْكَ أَحَدٌ عَنْهَا، آمِن بِأنَّ الله صارَ إنْسَانًا. وَعَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّن بِأَنَّ في إسْتِطَاعَةِ الله أنْ يَصيرَ إنْسَانًا. وَإذا اليَهودُ لَمْ يُؤمِنُوا، فَنُجِيْبُهُم: إنَّنَا لا نُبَشِّرُ بِشَيءٍ جَديد عِندَمَا نَقولُ بِأنَّ الله صَارَ إنْسَانًا. ألا تَقولون أنَّ إبراهيم أَضَافَ الرَّب؟ مَا هُوَ الشَّيءُ الجَديدُ الّذي نُبَشِّرُ بِهِ بِمَا أَنَّ يَعقوب يَقول: "إنِّي رَأَيْتُ اللهَ وَجْهًا لِوَجهٍ وَنَجَتْ نَفْسِي". الرَّبُّ الّذي أَكَلَ مَعَ إبْرَاهيم، أَكَلَ أَيْضًا مَعَنَا، فَمَا هُوَ إذًا الشَّيءُ الجَديدُ الّذي نُبَشِّرُ بِهِ؟ (...) لَقَد أَثبَتْنَا فيمَا تَقَدَّم أَنَّ في إسْتِطَاعَةِ الله أن يَصيرَ إنْسَانًا، وَنحنُ نَتْرُكُ للغَيّورين مَهَمَّةَ جَمْعِ مَا تَبَقَّى مِنَ الأَدِلَّة.

(قِرَاءَةٌ منَ القِدِّيس كِيرِلُّس الأورشليمي (†387)- آمن بِأنَّ الله صارَ إنْسانًا- العظة 12: 16) 

::: تــــأمّـل روحي :::

(سبق نشره في 2017)

بين الأمس واليوم كلّ شيءٍ تغيّر في حياة الإنسان: من الـ"نَعم" للعالم وقوّته في إطارٍ محدود، نعمٍ أورثتنا إيّاها حواء الأولى، إلى "نَعم" مريم، حواء الثانية، لمشروع الله الخلاصيّ للإنسان وقدرته القدّوسة في المشارق والمغارب كلّها. أمّا نحن فما زلنا نتأرجح بينهما؛ وإذا ما تأملنا في مذود يسوع نرى أن هاتين الإرادتين لِلْـ"نَعم" تلتقيان في حدث ميلاد يسوع:

فرض الإكتتاب: بـ"نعمٍ" لمشروعٍ بشريّ، توّجهت الناحية كلّها –ومنها مَن كان مرغمًا- إلى بيت لحم من أجل الإكتتابِ بأمرٍ من أغوسطوس قيصر، بهدف إحصاءٍ يضع قدرته وإمتداد نفوذه في الميزان، يتغذّى بقاؤه من تعب البشر وعرق جبينهم، الّذين هم إكسير حياته السُلطَويّة.

الجميع دون إستثناءٍ عليه طاعة الأوامر المفروضة بحيث يصبح كلّ شيءٍ يدور في فلكه ولا أحد سواه. هكذا، وبِيَدٍ من حديد يستطيع أن يمسك زمام الأمور ليُبرهن لنفسه قبل الآخرين أنّه وحده الآمر الناهي وهو وحده له الحكم وفعل ما يراه مناسبًا للإبقاء على ثبات عرشه. ومنذ ذلك الوقت أصبح من غير الممكن له أن يتصوّر ظهور قوّةٍ أو قدرةٍ أو سلطة تفوقه لإعتبارها تهديدًا له ولبقائه في سدّة القيادة من جهة، وخوفًا ألاّ يبقى محطّ أنظار الجميع ونقطة الإرتكاز لكلّ عملٍ سياسي -توسّعي- "إمبراطوريّ" في المنطقة من جهةٍ أخرى.

دعوة للحياة: وفي قلب عتمة هذا كلّه، تظهر ثمرة "نَعم" الحبّ، "نَعم" النور للقلوب المظلمة، "نَعم" الحياة التي جذبت إليها ملوك المشرق، وكلّمت الرعاة في البريّة، الّذين هم أيضًا أتوا إلى مكان الإكتتاب نفسه، إلى اليهوديّة، ولكنّ، هم عرفوا كيف يرون النور ويميّزونه بنعمة من الروح الساكن فيهم فتبعوه؛ كما أنّ الرعاة، لبساطة إيمانهم وإنتظارهم بشوق لتحقيق الوعد بمجيء المخلّص، أتتهم البشرى ودخلت أعماقهم كما موسيقى الناي التي إعتادت التغلغل في كيانهم مع مغيب وشروق كلّ شمس، والتي ما لبثت أن رافقت الملائكة بترانيم "المجد للّه في العلى وعلى الأرض السلام". نعم صحيح، ملائكة الربّ بشّرت بميلاد السلام في مذودٍ صغيرٍ على الأرض حيث لن يبقى من مكانٍ للموت، لا للحقد ولا للكراهية. في عمق هذا التواضع والفقر، تغذّت هذه الـ"ثمرة" المولودة، من حنان أم النعم ولُفّت بأقمطة الحبّ الخالص، وتدفّأت على اللهاث في الإسطبل. هناك تجلّى حضور الله بين البشر وشاركنا بشريّتنا بكلمته المتجسّدة، يسوع إبنه، كي نشاركه بواسطته ألوهيّته. هناك، جمع الطفل المولود، الفقير والغنيّ، الملك والراعي ليقول لنا أنّه هو الملك والراعي الحقيقي لخرافه (الشعب)، وأنّه قد أتى من أجلهم ومن أجلنا جميعًا "ليُبطِل كلّ رئاسةٍ وكلّ سلطانٍ وكلّ قوّة".

هذه الحياة المولودة، نادت كل إنسانٍ بطريقة مختلفة، بلطفٍ كبير، برقّةٍ لا مثيل لها، وفرحٍ لا نختبره إلاّ في السماء الحيّة فينا، دون أن تفرض نفسها. نادت لتقول لنا أن الوعد قد تحقّق، وأنّ الحريّة قد إستعدناها بميلاد عهدٍ جديدٍ مصالَحٍ مع السّماء.

اليوم، ووسط تحديّاتٍ لا حصر لها تسرق منّا النور الحقيقي لتوهمنا بسرابٍ يبرق في صحراء حياتنا، نجِد في أعماقنا صوت الله يدعونا لإتّباع نوره نحو واحة الحياة، إبنه يسوع الّذي منه نستقي الماء الّذي لا يجعلنا نعطش أبدًا. ربّما يشدّنا السراب حين نشعر بالضعف، لكن الحياة الحقيقيّة رغم أنّها أبعد من محدوديتنا، ومن كلّ توقّعاتنا، فهي أقوى ولا تفتأ تنادينا لنعيشها بالملء. هي تدعونا لنعود إلى بيت لحم لنتحرّر من أحمالٍ ترهق كاهلنا بعالمها، تدعونا لنَقبَل لفائف الطفل يسوع وأقمطته، ونأخذ مكاننا بين ذراعيه في المذود ليعيد إلينا حياةً من حياته، وبراءةً من براءته وفرحًا بحبٍ يفيض من ذاته فينا. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... لتبتهج الأرض وكلّ ما عليها وفوقها وبها وتُسبّحك يا الله، وليُنشد الكلّ بفرحٍ "وُلِد المسيح، هلِّلويا. هلِّلويا، وُلِد المسيح!"، ولترتفع الأيادي للأعالي وتسجد كل ركبةٍ وتنحني كلّ نفسٍ هاتفةً "عظّمي يا نفسي الإله المولود مِن البتول".

ربّي وإلهي ... قال أحدهم: "ما فائدة مولد يسوع من مريم العذراء بالنسبة لي إن لم يولد في قلبي المفترض أن يكون مُكرّسًا لله فيُعظِّمه كما فعلت العذراء مريم؟"، وكم هذا القول صحيح، فأنعم علينا أن نكرّس قلوبنا لك ونجعلها مكانًا مهيئًا ليغرف منها الآخرون نعمة الرّب يسوع: "السلام والفرح والرجاء"، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

1- (المحتفل) في ذكرى ولادةِ المسيح على الأرض، نصلّي من أجلِ كنيستِنا والمسؤولينَ فيها، وخاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيديكتوس السادس عشر البابا الفخريّ، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، ومار نصرالله أبينا، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ، كَي يكونوا رُعاةً حقيقيّين يسهرونَ على سلامةِ قطيعِهم الروحيّ في هجعاتِ الليل، نسألك يا رب.
2- أعطنا أن نفهمَ معنى الخلاص الّذي وُلِدَ لنا في مثلِ هذا اليوم، فلا نتركهُ خارِجًا لأنّ لا مكانَ له، بل نستقبلُه في قلبِ حياتِنا، كَي يُنيرَ الخَبايا المُظلِمة ويُخلِّصَها مِن كلِّ خوفٍ وإدمانٍ وحُزنٍ ورذيلة، نسألك يا رب.
3- أعطنا أن نعيشَ الفرحَ الحقيقيَّ بِوِلادةِ المسيح، مهما بلغَ بنا الثراءَ أوِ الفَقر، فنحتفلَ بِصاحبِ العيد وليسَ بما يُحيطُ بِهذا الحَدَث مِن مَظاهِرَ زائلة، نسألك يا رب.
4- في ذكرى ولادةِ المسيح على الأرض، نُهديكَ مَرضانا، بَلسِم جروحاتِهم النفسيَّة والجسديَّة، وإمحُ آلامَهم، فيَعيشوا الميلادَ بِسلامٍ وراحةٍ، نسألك يا ربّ.
5- (المحتفل) إستقبِل في أحضانِك، كلَّ الّذين سبقونا كَي يكتبوا أسماءَهُم في سفرِكَ السّماوي، فلا يكونوا ضيوفًا لا مَكانَ لهم، بل أبناءً منازِلُهُم مُعَدَّة مِن قَبلِ إنشاءِ العالم، غافِرًا لنا ولهم الخطايا والزلاّت.

 

صلاة شكر للقدّاس

سَمِعتَ صُراخَ إستِغاثَتِنا،
فلَم تَقوَ أن تترُكَنا في اليأسِ والعبوديَّة،
ترَكتَ مجدَك، لِتُولَدَ وتُضْجَع في مِذوَد،
تركتَ عرشَكَ لِتَعيشَ مع الإنسان،
تركتَ الخالقَ لِتأخذَ جسدَ المَخلوق،
لا لِشَيءٍ، بَل لأنّك أحببتَنا... فشكرًا لك
شكرًا على جسدك ودمكَ الأقدسَين،
شكرًا وحَمدًا على أبيكَ وروحك القدّوس، من الآن وإلى الأبد، آمين.
 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة والصلاة

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

المقدّمة، أفكار من الرّسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الخوري شارلي عبدالله
yechou3@hotmail.com
https://www.facebook.com/mchi7o

 

 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

قراءة آبائيّة
من إعداد
الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts