الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن الميلاد المجيد

الأحد السادس - أحد النسبة
(23 كانون الأول 2018)

::: مـدخــل :::

• تدعونا الكنيسة في هذا الأحد للتعمّق في إنتماء الربّ يسوع إلى بشريّتنا!
• يستخدم القدّيس بولس ثلاثة ألقابٍ ليعلن أنّ حياته هي إمتداد لحياة عبيد الله العاملين في العهد القديم خلال تاريخ الخلاص وبأنّه يقوم بالعمل الرسولي بدعوة إلهية وليس من ذاته، لا عمل له ولا هدف سوى تقديم إنجيل الله لكل أحد إن أمكن!
• جاء نسب الربّ يسوع في الترتيب الّذي نتأمّل به اليوم ليُعلن أنه جاء من أجل البشريّة كلّها ولنفهم أنّ كلمة الله المتجسّد جاء من نسل خاطئ ليحمل عنّا الخطايا التي ورثناها أبًا عن جد وليخلّصنا من آثارها ونتائجها.
• نتأمّل في قراءات هذا الأحد لنفحص ضمائرنا حول مدى وعينا لكوننا إستكمالاً "روحيًّا" لنسل الربّ يسوع! 

::: صـلاة :::

نشكُرُكَ يا ربّ، يا مَن أَشرَكتَنا بِعائِلَةِ الآبِ السَّماوي عِندَما إختَرْتَ أن تُصبِحَ إِنسانًا مِثلَنا، فإتَّخَذتَ لَكَ سُلالَةً كسائِرِ البَشَر، فيها نِقاطُ الضَّعف وفيها نِقاطُ القُوَّة، ولَم تَخجَلَ بأَيِّ فردٍ مِنّا.
نَسأَلُكَ أَن تُبارِكَ سُلالاتِنا وأَن تُعَلِّمَنا أَن نَقبَلَ بعضَنا فَنَنمُوَ في الإيمانِ والرَّجاءِ والمَحَبَّة، في عائِلَةِ الكَنيسَة، يا رَبَّنا وإلَهَنا، لَكَ المَجدُ إلى الأَبَد، آمين.  

::: الرسالة :::

1 مِنْ بُولُسَ عَبْدِ الـمَسِيحِ يَسُوع، الَّذي دُعِيَ لِيَكُونَ رَسُولاً، وفُرِزَ لإِنْجِيلِ الله،
2 هذَا الإِنْجِيلِ الَّذي وَعَدَ بِهِ اللهُ مِنْ قَبْلُ، بَأَنْبِيَائِهِ في الكُتُبِ الـمُقَدَّسَة،
3 في شَأْنِ إبْنِهِ الَّذي وُلِدَ بِحَسَبِ الـجَسَدِ مِنْ نَسْلِ داوُد،
4 وَجُعِلَ بِحَسَبِ رُوحِ القَدَاسَةِ إبْنَ اللهِ بِقُوَّةٍ أَيْ بِالقِيَامَةِ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، وهُوَ يَسُوعُ الـمَسِيحُ رَبُّنَا؛
5 بِهِ نِلْنَا النِّعْمَةَ والرِّسَالَةَ لِكَي نَهْدِيَ إِلى طَاعَةِ الإِيْمَانِ جَميعَ الأُمَم، لِمَجْدِ إسْمِهِ؛
6 ومِنْ بَيْنِهِم أَنْتُم أَيْضًا مَدْعُوُّونَ لِتَكُونُوا لِيَسُوعَ الـمَسِيح؛
7 إِلى جَمِيعِ الَّذينَ في رُومَا، إِلى أَحِبَّاءِ الله، الـمَدْعُوِّيِنَ لِيَكُونُوا قِدِّيسِين: النِّعْمَةُ لَكُم والسَّلامُ مِنَ اللهِ أَبينَا والرَّبِّ يَسُوعَ الـمَسِيح!
8 قَبْلَ كُلِّ شَيء، أَشْكُرُ إِلـهِي بِيَسُوعَ الـمَسيحِ مِنْ أَجْلِكُم جَمِيعًا، لأَنَّ إِيْمَانَكُم يُنَادَى بِهِ في العَالَمِ كُلِّهِ.
9 يَشْهَدُ علَيَّ الله، الَّذي أَعْبُدُهُ بِرُوحِي، بِحَسَبِ إِنْجِيلِ إبْنِهِ، أَنِّي أَذْكُرُكُم بِغَيْرِ إنْقِطَاع،
10 ضَارِعًا في صَلَوَاتِي على الدَّوَامِ أَنْ يتَيَسَّرَ لي يَوْمًا، بِمَشِيئَةِ الله، أَنْ آتيَ إلَيْكُم.
11 فإِنِّي أَتَشَوَّقُ أَنْ أَرَاكُم، لأُشْرِكَكُم في مَوْهِبَةٍ رُوحِيَّةٍ وَأُشَدِّدَكُم،
12 أَيْ لأَتَعَزَّى مَعَكُم وَبَيْنَكُم بإِيْمَانِي وإِيْمَانِكُمُ الـمُشْتَرَك.
13 ولا أُريدُ أَنْ تَجْهَلُوا، أَيُّهَا الإِخْوَة، أَنِّي عَزَمْتُ مِرَارًا أَنْ آتِيَ إِلَيْكُم، لِكَي يَكُونَ لي فيكُم ثَمَرٌ كَمَا في غَيْرِكُم مِنَ الأُمَم، ولـكِنِّي مُنِعْتُ حتَّى الآن.
14 إِنَّ علَيَّ دَيْنًا لليُونَانِـيِّين وغَيْرِ اليُونَانِـيِّين، لِلحُكَمَاءِ والـجُهَلاء.
15 لِذلِكَ فإِنِّي مُسْتَعِدٌّ أَنْ أُبَشِّرَكُم أَنْتُم أَيْضًا يَا أَهْلَ رُومَا.
16 فإِنِّي لا أَسْتَحِي بالإِنْجِيل، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِخَلاَصِ كُلِّ مُؤْمِن، لِليَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِليُونَانِيّ؛
17 لأَنَّ بِرَّ اللهِ يُعْلَنُ في الإِنْجِيلِ أَوَّلاً وَآخِرًا، كَمَا هُوَ مَكْتُوب: "البَارُّ بِالإِيْمَانِ يَحْيَا".

 (الرّسالة إلى أهل روما – الفصل الأول – الآيات 1 إلى 17) 

::: تأمّـل من وحي الرسالة :::

يبدأ مار بولس الرسالة بدعوة نفسه بثلاثة ألقاب، قائلًا: "بولس عبد ليسوع المسيح، المدعو رسولًا، المُفرز لإنجيل الله"

اللقب الأول هو "عبد ليسوع المسيح"، ولعله إبتدأ بهذا اللقب لأنه يكتب إلى أناسٍ يثيرون تفرقة عنصرية بين المسيحيين من أصل يهودي والمسيحيين من أصل وثني؛ فإن كان بولس عبدًا ليسوع المسيح، ففي هذا يتساوي جميع المؤمنين، إذ الكل عبيد للسيد المسيح، أيًّا كان أصلهم أو ديانتهم السابقة.

أما اللقب الثاني فهو "المدعو رسولًا"، لم يقل "رسول" بل "المدعو رسولًا"، لأن موضوع هذه الرسالة هو "دعوة الأمم للإيمان" كما سبق فدُعي اليهود قديمًا للإيمان؛ فإن كان مار بولس يشعر بالفضل لله الّذي دعاه للرسولية، فإنه حتى في إيمانه القديم كان مدعوًّا، وفي قبوله الصليب يحسب نفسه "مدعوًا". كأن لا فضل لنا في إيماننا كما في شهادتنا للرب، أيًّا كان مركزنا الكنسي، إنما يرجع الفضل للّذي دعانا.

اللقب الثالث: "المُفرز لإنجيل الله". أي المُكرس للكرازة لحساب إنجيل الخلاص للعالم كله.

بهذه الألقاب الثلاثة يعلن القديس بولس أنه "عبد"، حياته هي إمتداد لحياة عبيد الله العاملين في العهد القديم خلال تاريخ الخلاص، يقوم بالعمل الرسولي بدعوة إلهية وليس من ذاته، لا عمل له ولا هدف سوى تقديم إنجيل الله لكل أحد إن أمكن! فهل أعي كمار بولس هذه الحقائق في ما يتعلق بخدمتي وشهادتي للمسيح؟

كما نلاحظ أن مار بولس يُقدم لنا مفتاح كل عطيّة إلهية صالحة عبر قوله "أما البارّ فبالإيمان يحيا" فالإنسان الّذي يرتبط بالله يحمل برّ المسيح فيه، لكنه لا يعني هذا أنه يصير معصومًا من الخطأ كما يظن البعض، إنما يتمتّع بالنمو المستمر في برّ المسيح بلا توقف. مادامت عطيّة الله تفوق الإدراك تمامًا فمن المنطق أننا نحتاج إلى الإيمان. فالإيمان ينمو ويزداد، ونحن أمّا نُنَمِّي إيماننا أو ننقصه. وكل إيمان نبلغه يعبِّر عن مستوانا الروحي الّذي وصلنا إليه، فننال تطويب المسيح للجياع والعطاش إلى البر... مثل هؤلاء ينمو بإستمرار مستواهم الروحي وبالتالي ينمو إيمانهم من إيمان لإيمان أعمق وأعلى. وهذا متوقف على جهادنا الروحي فندخل للعمق في معرفة ومحبة المسيح، وأيضًا على خضوعنا وتسليمنا الحياة بين يدي الله بشكر وبلا تذمّر، بهذا ينمو الإيمان، بل ننمو في مجد الله، ومن مجد إلى مجد. وقطعًا فكلما نزداد في درجتنا الإيمانية سنزداد في عمل البر وحياة البر. 

::: الإنجيل :::

1 كِتَابُ ميلادِ يَسُوعَ الـمَسِيح، إِبنِ دَاوُد، إِبْنِ إبْرَاهِيم:
2 إِبْرَاهِيمُ وَلَدَ إِسْحـق، إِسْحـقُ وَلَدَ يَعْقُوب، يَعْقُوبُ وَلَدَ يَهُوذَا وإِخْوَتَهُ،
3 يَهُوذَا وَلَدَ فَارَصَ وزَارَحَ مِنْ تَامَار، فَارَصُ وَلَدَ حَصْرُون، حَصْرُونُ وَلَدَ آرَام،
4 آرَامُ وَلَدَ عَمِينَادَاب، عَمِينَادَابُ وَلَدَ نَحْشُون، نَحْشُونُ وَلَدَ سَلْمُون،
5 سَلْمُونُ وَلَدَ بُوعَزَ مِنْ رَاحَاب، بُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ مِنْ رَاعُوت، عُوبِيدُ وَلَدَ يَسَّى،
6 يَسَّى وَلَدَ دَاوُدَ الـمَلِك. دَاوُدُ وَلَدَ سُلَيْمَانَ مِنِ إمْرَأَةِ أُوْرِيَّا،
7 سُلَيْمَانُ وَلَدَ رَحَبْعَام، رَحَبْعَامُ وَلَدَ أَبِيَّا، أَبِيَّا وَلَدَ آسَا،
8 آسَا وَلَدَ يُوشَافَاط، يُوشَافَاطُ وَلَدَ يُورَام، يُورَامُ وَلَدَ عُوزِيَّا،
9 عُوزِيَّا وَلَدَ يُوتَام، يُوتَامُ وَلَدَ آحَاز، آحَازُ وَلَدَ حِزْقِيَّا،
10 حِزْقِيَّا وَلَدَ مَنَسَّى، مَنَسَّى وَلَدَ آمُون، آمُونُ وَلَدَ يُوشِيَّا،
11 يُوشِيَّا وَلَدَ يُوكَنِيَّا وإِخْوَتَهُ، وكانَ السَّبْيُ إِلى بَابِل.
12 بَعْدَ السَّبْيِ إِلى بَابِل، يُوكَنِيَّا وَلَدَ شَأَلْتِيئيل، شأَلْتِيئيلُ وَلَدَ زُرُبَّابِل،
13 زُرُبَّابِلُ وَلَدَ أَبِيهُود، أَبيهُودُ وَلَدَ إِليَاقِيم، إِليَاقِيمُ وَلَدَ عَازُور،
14 عَازُورُ وَلَدَ صَادُوق، صَادُوقُ وَلَدَ آخِيم، آخِيمُ وَلَدَ إِلِيهُود،
15 إِلِيهُودُ وَلَدَ إِلِيعَازَر، إِلِيعَازَرُ وَلَدَ مَتَّان، مَتَّانُ وَلَدَ يَعْقُوب،
16 يَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَم، الَّتي مِنْهَا وُلِدَ يَسُوع، وهُوَ الَّذي يُدْعَى الـمَسِيح.
17 فَجَميعُ الأَجْيَالِ مِنْ إِبْرَاهيمَ إِلى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، ومِنْ دَاوُدَ إِلى سَبْيِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، ومِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلى الـمَسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جيلاً.

(إنجيل متى – الفصل الأوّل - الآيات 1 إلى 17) 

::: تـــأمّل من وحي الإنجيل :::

ربّما يتساءل البعض مِنّا: لماذا يهتمّ الكتاب المقدّس بنَسب السيّد المسيح، فيذكره الإنجيلي متّى في الإفتتاحيّة ؟

أولًا: للتأكيد على حقيقة التجسُّد الإلهي، فيؤكّد الوحي الإلهي أن ذاك الّذي هو فوق الأنساب الّذي كان قبل الدهور مساويًا في الأزليّة للآب ذاته قد صار حسب الجسد له نسب، لأنه إذ هو إله في الحقيقة، صار هو ذاته في آخر الأزمة إنسانًا بدون تغيير، وقد أظهره متّى مشتركًا في طبيعتنا حتى لا يقول أحد أنه ظهر كخيالٍ أو وهم.

ثانيًا: أراد القدّيس متّى تأكيد أن يسوع هو المسيح الملك المنتظر، لهذا يفتح سلسلة الأنساب بقوله: "كتاب ميلاد يسوع المسيح إبن داود إبن إبراهيم". فلقد ترك متّى كل الأسماء ليذكر داود وإبراهيم، لأن الله وعدهما وحدهما بالمسيح، إذ قال لإبراهيم: "ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض" (تك22: 18)، ولداود "من ثمرة بطنك أجعل على كرسيك" (مز 132: 11). لقد ركّز على داود الملك وإبراهيم أب الآباء ليُعلن أنه الملك الموعود به، ابن داود. إنه الملك المختفي وراء طبيعتنا البشريّة والمتخلّي عن كمال مجده وبهائه، فإن مشاركته لطبيعتنا البشرية كسائر البشر يهبنا الفرصة لقبولنا إيّاه فلا نهاب بهاءه ونهرب من جلال عظمته، بل نقبل اللقاء معه لأنه صار مثلنا فنتّحد به ونثبت فيه.

ولقد جاء النسب في ترتيب تنازلي يبدأ بإبراهيم وينتهي بيوسف رجل مريم الّذي وُلد منها يسوع الّذي يُدعى المسيح، ولم يذكر النسب أسماء نساء عظيمات يفتخر بهنّ اليهود لا بل ذكر أيضًا بعض النساء الأمميّات مثل راعوث الموآبيّة وراحاب الكنعانيّة، ليُعلن أنه جاء من أجل البشريّة كلها ليخصّ الأمم كما اليهود، لنفهم من هذا أن كلمة الله المتجسّد هذا وإن كان بلا خطيّة وحدث لكنّه جاء من نسل خاطئ ليحمل عنّا الخطايا التي ورثناها أبًا عن جد، لذا جاء الترتيب تنازليًا، كأن الخطايا تنحدر من جيل إلى جيل ليحملها السيّد المسيح على كتفيه. 

::: قراءة آبائيّــة  :::

كَانَ جَائِزًا في الشَّريعَةِ القَديمَةِ إسْتِجْوَابُ الله، وَكَانَ جَديرًا بالأنبِياءِ وَالكَهَنَة أَنْ يَتوقوا إلى الرُّؤَى وَالإيْحَاءَات، لأنَّ الإيمَان لَمْ يَكُن بَعْدُ جَلِيًّا، وَلا الشَّريعَةُ الإنجِيليَّةُ مَوْضُوعَة. لِذَا، كَانَ مِنَ الضَّرورِيّ أَنْ يُعلِنَ اللهُ مَشيئَتَهُ إمَّا بإسْتِعْمَالِهِ الكلام البَشَرِيّ، أَو بالرُّؤَى وَالإيحاءات، مُجَرَّد صُوَر وَرُمُوز، أَو بِأَيِّ وَسيلَةٍ أُخرَى للتَّعبير...

أمَّا الآن، وَقَدْ تَأَسَّسَ الإيمانُ بالمَسيح، وَحُدِّدَت الشَّريعَة الإنجيليَّة في عَهدِ النِّعمَة، فَلا مَجال بَعد لإستِشارَة الله عَن تِلكَ الطَّريقَة، لِكَي يُكَلِّمنا وَيُجيبَنَا. لانَّهُ عِندَمَا أَعْطَانَا إبْنَهُ، وَالإبنُ هُوَ كَلِمَتَهُ الأَخيرَةُ القاطِعَة، قالَ لَنَا كُلَّ شَيءٍ دفعَةً وَاحِدَة، وَلَمْ يَعُد لَدَيْهِ مَا يَقول.

(قِراءَةٌ من القِدّيس يوحَنّا الصّليب (†1591)- في المَسيح قَالَ لَنَا اللهُ كُلّ شَيء) 

::: تــــأمّـل روحي :::

مع ولادة كل منّا يُفتح كتاب حياتنا ليُسَجّل دخوله في تاريخ الخلاص بمسيرة حجٍ من الأهميّة بمكان، فيها الكثير من الجبال والوديان للوصول إلى الحقيقة والهدف، الطريق والحياة، وكلاهما واحدٌ ألا وهو يسوع المسيح، سلامنا وفرحنا. فكيف يُسَطَّر تاريخنا الشخصي خلالها (خلال المسيرة)؟

صعوبة وجمال في آن: هل شاركتم يومًا في مسيرة "rendonnée" طويلة في الطبيعة؟ كم إختبرتم من أمورٍ في شخصكم: مدى قدرتكم على السير حتّى بلوغ الهدف، مدى إكتشافكم لجمالات يد الخالق المدهشة وكيفية التمتّع بها؟ قد تتعبون وأحيانًا تشعرون بالإحباط، لكنّ الهدف الّذي نحوه تسيرون هو أقوى من تعبكم مما يجعلكم تتخطّون هذا الأخير. قد تتوهون عن الطريق الصحيح أو قد تغيّرون المسلك صوب المكان المنشود، تمرّون مرارًا في مسالك ضيّقة وأماكن وعرة وتشعرون بالضعف فتتعثّرون وتسقطون، لكنّكم لا تلبثوا أن تسمعوا صوت المرشد يناديكم ليعيدكم إلى الطريق الصحيح، أو تشعروا بيد المرشد تمتدّ إليكم لتأخذ بيدكم وينهضكم إلى فوق، فتقفوا وتكملوا المسير. أمّا عند لحظة الوصول، تلقون بأنفسكم في المكان وترمون عن كاهلكم كلّ ما تحملونه: لقد وصلتَ وما عدتَ بحاجة إلى شيءٍ، فتتنفّسون بصدرٍ منشرح وكأنّكم ولدتم من جديد.

إنّه لمن أروع الخبرات التي نشهدها في حياتنا وكم تشبه مسيرتنا الشخصية. أليست تشبه أيضًا مسيرة نسب يسوع حيث كانت هناك يد الله دومًا إلى جانب أشخاصٍ منهم وضعوه هو الهدف والمرتجى، من إبراهيم وسارة مرورًا بحنّة وسمعان وصولاً إلى يوسف ومريم. من ثمّ، تمّ الوعد بيسوع الّذي نزل في عمق تاريخنا البشريّ لينقّيه ويقدّسه ويرفعه بكلّ ما فيه من ضعفاء وخاطئين، أبرار وأتقياء، وها نحن اليوم نكمل معه مسيرتنا الخلاصيّة الجديدة ليكتب كلّ منّا تاريخه فيها بحسب إيمانه وسعيِه لبلوغ الهدف حيث به –بيسوع- نعبر إلى المجد الأبدي مع الثالوث المقدّس.

وموقفنا؟ إنّها قصّة إيمانٍ، فإمّا أن كلّ الكيان قلبًا وقالبًا يتنفّس إيمانًا بالحقيقة الوحيدة، حقيقة يسوع "الطريق والحقّ والحياة"، إيمانًا ثابتًا غير مشروط ولا يطلب ضمانات، إمّا نصدّه (الإيمان) غير معترفين بهذه الحقيقة بحجّة أنّها أكبر من فهمنا لها. وهنا تكمن مشكلتنا: نستقيل من التقدّم في مسيرتنا الأساسيّة صوب الحقيقة الحقيقيّة لنسلك طريقًا مختلفًا أكثر سهولة وأقلّ مسؤوليّة، يصلنا بواسطة وسائل التواصل الحديثة على أنواعها ومن خلال العلوم المتقدّمة اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى، فتنفتح لنا أبوابًا لا ننتظرها من الخير والمعرفة، ولكن، بالمقابل، لعدم إكتراثنا بمصيرنا تضيع منّا البوصلة فنُضيِّع الهدف الأساسي ونعود غير قادرين على التمييز بين هذه الوسائل ممّا هو خير من أجل بنيان الذات وخيرٌ من أجل صورة العالم اللمّاعة. نعم، بذلك نغفله، ففي أعماقنا خوفٌ منها يودي بنا إلى صليبٍ ما على مثال يسوع، فنهرب من تلك الصورة لنختبئ وراء الحداثة التي تخدّرنا.

والصحوة؟ هناك دموعٌ كثيرة ستُذرف على أيّامٍ قضيناها في تجاهلنا لحقيقة الحبّ الإلهي لنا، رغم تاريخنا الّذي نخطّ فقراته كلّ يومٍ بتكابرنا على النظر إلى حيث هو موجود ينتظر بدل أن ننتظره نحن؛ إلى حيث يسعى أن يحفظ ذاك المكان نقيًا رغم عنادنا وإصرارنا على أنّ قوّتنا الذاتيّة هي التي توصلنا إلى الحقيقة.

يا أصدقائي، لا القوّة ولا الجاه والمال ولا التسلط ولا الممالك ولا السيف أو البندقية ولا كلّ ما هو من خارج الذات يوصلنا إلى الحقيقة، بل هو من يعمل في أعماقنا، الروح القدس، روح الحق والفهم والحكمة، يجعلنا نراها كما هي إن تواضعنا: الحقيقة الحقيقية.

كلّنا مدعوون اليوم للتمسّك بهذه القوّة الإيمانية التي تكمن في داخلنا، قوّة تحقيق الوعد الّذي تحقق بيسوع المسيح، لتخطّ جالسًا على خطوط تاريخنا المعوجّ. لنثق بها أكثر فأكثر وننقلها إلى كلّ آخر مواصلين المسيرة بشجاعة لبلوغ الهدف الخلاصيّ الأوحد بالمسيح. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... توقّف الإنجيلي متى البشير عند إبراهيم حين ذكر سلالة الرّب يسوع من جهة القديس يوسف البار إذ كان الناس يحسبونه إبنه، في حين أنّ الإنجيلي لوقا البشير أكمل نسبه إلى ما قبل إبراهيم، إلى بداية الخليقة: آدم إبن الله (لوقا 3: 23-38). وهنا أتساءل لماذا يعتقد البعض أنّ ما جاء في سفر التكوين من سرد لوقائع قصة الخلق هي أسطورة وليست حقيقة تاريخية ويعتبرونها حقيقة رمزية فقط تهدف لإعطاء رموز لأمورٍ روحيّة؟ ما هذا الإستهزاء بكُتّاب الإنجيل وإيحاء الروح القدس لهم؟ أوليس الإيمان بالرّب يسوع يعتمد كلِّـيًّا على الإيمان بكلّ وعودك والتي منها "مِن بين نسل حواء مَن سيسحق رأس الحيّة ["الشيطان"] وهي تُصيب عقبَه" (تكوين 3: 15) وبالتالي علاقة "الله المُخلّص" بـ"التجسّد الّذي سيُختم بالموت الجسدي فالقيامة فيطأ الموت بالموت"؟

ربّي وإلهي ... إغفر لنا وأنر عقولنا لإستيعاب قدرتك والتي إرضاءً لعقولنا جعلنا بعض أحداث الكتاب المُقدّس أساطير غير حقيقية وكأنك غير قادر على فعلها، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

1- (المحتفل) نصلّي من أجلِ كنيستِنا والمسؤولينَ فيها، وخاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيديكتوس السادس عشر، البابا الفخريّ، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، ومار نصرالله أبينا، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ، كَي يُحافِظوا على دعوَتِهم الرَّسوليَّة بِنَشرِ الإنجيلِ وعَيشِه بأمانةٍ وتقوى، نسألك يا رب.
2- كما وُلِدَ المسيحُ من عائلةٍ تاريخُها مليءٌ بالملوكِ والقتلة والمظلومين والخطأة، أعطنا أن نؤمنَ بأنَّهُ قادرٌ، إذا أرَدنا، أن يولَدَ في قلوبِنا وَينشرَ النّورَ في ظُلُماتِ حياتِنا، رُغمَ تاريخِنا الأثيم، نسألك يا رب.
3- اليومَ نُعيِّدُ ذِكرى إنتماءِ يسوع الإله إلى التاريخِ البشريّ، قدِّس بشريَّتَنا بمسيحِك وخلِّصنا من عبوديَّتنا للخطيئة، نسألك يا رب.
4- على أبوابِ الميلادِ، نُهديكَ مَرضانا، بَلسِم جروحاتِهم النفسيَّة والجسديَّة، وأمحو آلامَهم، فيَعيشوا الميلادَ بِسلامٍ وراحةٍ، نسألك يا ربّ.
5- إستقبِل في أحضانِك السّماويَّة، كلَّ الّذينَ فارقونا، فيُعَيِّدوا معك إنتماءَهُم إلى التاريخِ الإلَهيّ، غافِرًا لنا ولهم الخطايا والزلاّت.

 

صلاة شكر للقدّاس

بتجسُّدِكَ من نسلٍ بشريّ، قدَّستَ تاريخَ بشريَّتِنا
بتجسُّدِكَ من نسلٍ بشريّ، منَحتَنا الأملَ والرجاء،
بتجسُّدِكَ من نسلٍ بشريّ، تجسَّدَ الخلاصُ لِكلِّ إنسان،
نشكركَ على تجسّدِكَ، وعلى حضورِك الدائم في القربان،
نشكرك على حبِّك اللامتناهي للبشريَّةِ جمعاء،
نشكرك لأنَّك تفصلُ الخاطئَ عن خطيئتِه، تُنصِرُ الخاطئَ وتُميتُ الخطيئةَ،
نشكركَ ونحمدُك ونسجد لك، مع أبيكَ وروحك القدّوس، من الآن وإلى الأبد، آمين.
 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة والصلاة

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

المقدّمة، أفكار من الرّسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الخوري شارلي عبدالله
yechou3@hotmail.com
https://www.facebook.com/mchi7o

 

 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

قراءة آبائيّة
من إعداد
الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts