الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن الميلاد المجيد

الأحد الخامس - أحد البيان ليوسف
(16 كانون الأول 2018)

::: مـدخــل :::

• في حياتنا، آلامٌ وصعابٌ كثيرة، لكن يد الله تقوّينا وتعيننا دائمًا وفق ما نستنتج من قراءات اليوم.
• في الرّسالة، نصغي إلى القديس بولس يدعو مؤمني كنيسة أفسس ألاَّ يكلّوا ويخوروا في إيمانهم بسبب آلامه.
• يؤكِّد لنا القديس لوقا الإنجيلي اليوم بأنَّ الحبل بالرّب يسوع المسيح في أحشاء القدّيسة مريم تحقّق بالروح القدس، الّذي هيّأها وقدّسها ليحل كلمة الله فيها، إبن الله الوحيد
• لنسأل الله القوّة، بواسطة الرّوح القدس، فنواجه كلّ الصعاب والأزمات برجاء بولس وإيمان يوسف البارّ. 

::: صـلاة :::

يا ربّ، نَشكُرُكَ على كُلِّ عائلاتِنا التي تسعى في حياتها لعَيشِ روحِ البَرارةِ والتَضامُن، على مِثالِ عائلَةِ النَّاصِرَة. وَنشكُرُكَ لأَنَّكَ لا تَترُكُنا أَسرى لِلشُكُوكِ، بَل تَكْشُفُ لَنا سِرَّ تَدبيرِكَ. لِيَكُن روحُكَ، يا ربّ، مُرشِدًا لنا فَنَلتقيَ ونَتَصارَح وَنَتَصالَح وَنُحَقِّقَ مَشِيئَتَكَ في حياتِنا، يا ربّنا وإلَهَنا، لَكَ المَجْدُ إلى الأبَد، آمين.  

::: الرسالة :::

1 لِذلِكَ أَنَا بُولُس، أَسِيرَ الـمَسيحِ يَسُوعَ مِنْ أَجْلِكُم، أَيُّهَا الأُمَم...
2 إِنْ كُنْتُم قَدْ سَمِعْتُم بِتَدْبِيرِ نِعْمَةِ اللهِ الَّتي وُهِبَتْ لي مِنْ أَجْلِكُم،
3 وهوَ أَنِّي بِوَحْيٍ أُطْلِعْتُ على السِرّ، كَمَا كَتَبْتُ إِلَيكُم بإِيْجَازٍ مِنْ قَبْل،
4 حِينَئِذٍ يُمْكِنُكُم، إِذَا قَرَأْتُمْ ذلِكَ، أَنْ تُدْرِكُوا فَهْمِي لِسِرِّ الـمَسِيح،
5 هـذَا السِّرِّ الَّذي لَمْ يُعْرَفْ عِنْدَ بَنِي البَشَرِ في الأَجْيَالِ الغَابِرَة، كَمَا أُعْلِنَ الآنَ بِالرُّوحِ لِرُسُلِهِ القِدِّيسِينَ والأَنْبِيَاء،
6 وهُوَ أَنَّ الأُمَمَ هُم، في الـمَسِيحِ يَسُوع، شُرَكَاءُ لَنَا في الـمِيرَاثِ والـجَسَدِ والوَعْد، بِوَاسِطَةِ الإِنْجِيل،
7 ألَّذي صِرْتُ خَادِمًا لَهُ، بِحَسَبِ هِبَةِ نِعْمَةِ اللهِ الَّتي وُهِبَتْ لي بِفِعْلِ قُدْرَتِهِ؛
8 لي أَنَا، أَصْغَرِ القِدِّيسِينَ جَمِيعًا، وُهِبَتْ هـذِهِ النِّعْمَة، وهِيَ أَنْ أُبَشِّرَ الأُمَمَ بِغِنَى الـمَسِيحِ الَّذي لا يُسْتَقْصى،
9 وأَنْ أُوضِحَ لِلجَمِيعِ مَا هُوَ تَدْبِيرُ السِّرِّ الـمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ في اللهِ الَّذي خَلَقَ كُلَّ شَيء،
10 لِكَي تُعْرَفَ الآنَ مِن خِلالِ الكَنِيسَة، لَدَى الرِّئَاسَاتِ والسَّلاطِينِ في السَّمَاوات، حِكْمَةُ اللهِ الـمُتَنَوِّعَة،
11 بِحَسَبِ قَصْدِهِ الأَزَلِيِّ الَّذي حَقَّقَهُ في الـمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا،
12 الَّذي لَنَا فيهِ، أَيْ بِالإِيْمَانِ بِهِ، الوُصُولُ بِجُرْأَةٍ وثِقَةٍ إِلى الله.
13 لِذلِكَ أَسْأَلُكُم أَنْ لا تَضْعُفَ عَزِيْمَتُكُم بِسَبَبِ الضِّيقَاتِ الَّتي أُعَانِيهَا مِنْ أَجْلِكُم: إِنَّهَا مَجْدٌ لَكُم!

(الرّسالة إلى اهل أفسس – الفصل 3 – الآيات 1 إلى 13) 

::: تأمّـل من وحي الرسالة :::

بسبب بشارة بولس بأن المسيح جعل الأمم واليهود شعبًا واحدًا، وأنه قُبِلَ ربًّا ومُخلّصًا في الأمم، سُجِن بولس وثاروا عليه في أورشليم، ومن أورشليم أُرسِلَ للمحاكمة في روما. ولكن بولس ليس متروكًا في يد عسكري مربوط معه بسلسلة، بل هو في يد الله، وهذا يتفق مع قول الرب يسوع: "لم يكن لك عليَّ سلطان البتة إن لم تكن قد أعطيت لك من فوق" (يو11:19). وهكذا يجب أن نفكر مثل بولس، فكما أن الله هو الّذي سمح بسجن بولس، هكذا في كل أمور حياتنا، نحن لسنا في يد إنسان مهما كان مركزه، بل نحن في يد الله، هو يحمينا. حتى تجارب الشرير هي بسماح من الله. فنحن لسنا في يد جرثومة تصيبنا بمرض، بل نحن في يد الله القدير.

وهناك ما هو أعمق من ذلك، فالقديس بولس يتصور أنه أسير حُب المسيح، محصور بمحبة المسيح. وكأنه يتساءل كيف أرد لك يا رب محبتك، فأنت لا تحتاج لشيء. لذلك سأرد جميلك لأولادك الّذين أحببتهم وصُلبت لأجلهم، أي سأكرز لهم مهما حدث لي، حتى لو قُتِلت. أنا أخذت منك الكثير يا رب، وسأحاول أن أردّ لهؤلاء الّذين تريد أنت خلاصهم. سأردّ جميلك عن طريقهم.

وقوله أيضًا أنه أسير في الرب تعني حالة الوجود الدائم في المسيح، مؤكدًا إعتزازه برسالته التي كلفه بها المسيح وإعتزازه بسجنه لأجل هذه الرسالة، لقد إعتبر لقب أسير يسوع المسيح شرفًا لهُ ومعنى كلامهُ هنا أن المسيح مات لأجل محبته لهم، وهو أيضًا مأسور وسجين لأجل محبته لهم وأن هذا شيء يُفرحه.

وقد أعانته قوة المسيح ونعمته في تتميم رسالته. وما أجمل أن نرى القديس بولس متواضعًا، ولما تذكر عمل الله معه تصاغر في عيني نفسه. لذلك علينا أن لا ننشغل بما عملناه ولكن بعمل الله معنا فنتصاغر في أعين أنفسنا لنكبُر في عَينَي الرب، ولا نسقط في فخ الكبرياء وهذا ما قالته القديسة مريم العذراء في نشيدها. وهذا هو الشعور الصحيح الّذي يجب أن يكون داخلنا أننا لا شيء، نحن مجرد عبيد بطالون كما قال لنا الرب يسوع: "كذلك أنتم أيضًا متى فعلتم كل ما أمرتم به فقولوا أننا عبيد بطالون لأننا إنما عملنا ما كان يجب علينا" (لو 17: 10). لذلك لا نتفاخر بأي شيءٍ عملناه. بل علينا أن لا نَرْضَى عن أنفسنا أبدًا، فإذا كان هناك عمل جيد عملناه فلننسبه لله، ونقول الله فعل من خلالي هذه الأمور. ومَن يشعر بالرضى عن نفسه سريعًا ما يسقط في الكبرياء.

ونرى القديس بولس، الّذي يكتب من سجن روما، وقد يُحكم عليه بالموت في المحاكمة، يدعو مؤمني كنيسة أفسس ألاَّ يكلوا ويخوروا في إيمانهم بسبب آلامه، إذ أن آلامه كانت بسببهم. وكأنه يقول لهم: إذا فهمتم أن الله يحبنا وله خطة أزلية سيتممها ولن يفشل، وله تدبير أزلي ينفذه بحسب أوقات يحددها هو، فلماذا أنتم حزانى على قيودي التي كانت بسبب كرازتي لكم، فبسببها كان إيمانكم وبالتالي مجدكم. من هنا نفهم نحن أيضًا أن الآلام صارت مجدًا للإنسان بعد أن كانت هوانًا، الله من محبته لا يسمح لنا بألم إن لم يكن هذا الألم هو الطريق الوحيد للمجد السماوي. فآلام بولس الرسول ستكون لمجده هو ولمجدهم هم أيضًا. فآلامه كانت بسبب كرازته لهم وإيمانهم. عمومًا فإنَ أية تجربة يسمح بها الله هي طريقنا إلى مجد السماء، الضيقة ليست عقوبة بل الطريق إلى القداسة. 

::: الإنجيل :::

18 أَمَّا مِيلادُ يَسُوعَ الـمَسِيحِ فَكانَ هـكَذَا: لَمَّا كانَتْ أُمُّهُ مَرْيَمُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُف، وقَبْلَ أَنْ يَسْكُنَا مَعًا، وُجِدَتْ حَامِلاً مِنَ الرُّوحِ القُدُس.
19 ولَمَّا كَانَ يُوسُفُ رَجُلُها بَارًّا، ولا يُرِيدُ أَنْ يُشَهِّرَ بِهَا، قَرَّرَ أَنْ يُطَلِّقَهَا سِرًّا.
20 ومَا إِنْ فَكَّرَ في هـذَا حَتَّى تَرَاءَى لَهُ مَلاكُ الرَّبِّ في الـحُلْمِ قَائِلاً: "يَا يُوسُفُ بنَ دَاوُد، لا تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ إمْرَأَتَكَ، فَالـمَوْلُودُ فِيهَا إِنَّمَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ القُدُس.
21 وسَوْفَ تَلِدُ إبْنًا، فَسَمِّهِ يَسُوع، لأَنَّهُ هُوَ الَّذي يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُم".
22 وحَدَثَ هـذَا كُلُّهُ لِيَتِمَّ مَا قَالَهُ الرَّبُّ بِالنَّبِيّ:
23 "هَا إِنَّ العَذْرَاءَ تَحْمِلُ وتَلِدُ إبْنًا، ويُدْعَى إسْمُهُ عِمَّانُوئِيل، أَي اللهُ مَعَنَا".
24 ولَمَّا قَامَ يُوسُفُ مِنَ النَّوْم، فَعَلَ كَمَا أَمَرَهُ مَلاكُ الرَّبِّ وأَخَذَ إمْرَأَتَهُ.
25 ولَمْ يَعْرِفْهَا، فَوَلَدَتِ إبْنًا، وسَمَّاهُ يَسُوع.

 (إنجيل متّى – الفصل 1 – الآيات 18 إلى 25) 

::: تـــأمّل من وحي الإنجيل :::

يؤكِّد لنا القديس لوقا الإنجيلي أنَّ الحبل بالرّب يسوع المسيح في أحشاء القدّيسة مريم تحقّق بالروح القدس، الّذي هيّأها وقدّسها ليحل كلمة الله فيها، إبن الله الوحيد. إنه ليس من زرع بشر، إذ تحقّق الحبَل وهي مخطوبة للقدّيس يوسف. وكانت الخطبة ليوسف البار أمرًا ضروريًا، لأسباب كثيرة منها:

أولًا: لكي لا تُرجم القدّيسة مريم طبقًا للشريعة اليهودية كزانية، فقد وضعها الرّب مع القديس يوسف الّذي عرف برّ خطيبته بعد معاناة، حينما أكّد له الملاك سرّ حبلها بالمسيح المخلّص.
ثانيًا: لكي تجد القدّيسة معها من يعزّيها، خاصة أثناء هروبها إلى أرض مصر.

لقد كانت علامات الحمل قد بدأت تظهر على القدّيسة مريم، الأمر الذي كان كافيًا لإثارة غضب القديس يوسف، بل وتعطيه الشريعة حق تقديمها للكهنة لمعاقبتها بالرجم، لكنّه إذ كان بارًا، وقد لمس في القدّيسة مريم طهارتها فإرتبك للغاية. في حنو ولطف لم يفتح الأمر مع أحد حتى مع القدّيسة نفسها، ولا فكّر في طردها وإنما "أراد تخليتها سرًّا". فنحن نعرف أن الخطبة في الطقس اليهودي تعطي ذات الحقوق والإلتزامات الخاصة بالزواج فيما عدا العلاقة الزوجيّة الجسديّة. هذا هو السبب لدعوة الملاك إيّاها "إمرأتك".

وإذ رأى الله إرتباك هذا البار مع سلوكه بحكمة أراد أن يطمئنه، فأظهر له ملاكًا في حلم يكشف له عن سرّ الحبل. وأعطاه هذا الشرف وهذه الكرامة أن يمارس الأبوة مع مخلِّص العالم، ومع أن السيّد المسيح ليس من زرعه، أعطاه حق تسُمّيته بإعلان إلهي، إنه "يسوع" وهو النطق اليوناني لأسم يشوع العبري الّذي يعني الرّب يُخلص. هو يستطيع أن يُخلص القلب من محبة الخطية وسلطان الخطية وقوتها، وهو يُخلصنا من عقوبة الخطية ويصالحنا مع الله الآب.

وكم يجب علينا أن نتعلم من إيمان القديس يوسف، فهو في ظلِّ أصعب الظروف، لم يبادل بالشر ما حسبه "شرًّا" بما كانت تعطيه من حقوق الشريعة اليهودية، بل "أراد تخليتها سرًّا"، و لأن كانت له هذه الحكمة طمأنه ملاك الرب. فهل نحذو حذوه، أم نشهِّر بالآخرين؟ وكم من أحداث وأخبار لا نعرف مدى صحتّها وظروفها لكننا ساهمنا بإنتشارها؟ فيا ليتنا نتعلم الرأفة والحكمة من يوسف، ولنصلِّ ونثق أن الله الّذي كشف الحقيقة ليوسف وطمأنه قادر على فعل ذلك معنا نحن أيضًا.

وتجدر الإشارة إلى أنّ مَن يُريد إنكار دوام بتولية العذراء يستخدم هذه الآية "ولم يعرفها حتى ولدت أبنها البكر" ويقول أن "حتى" تشير أنه عرفها بعد أن ولدت المسيح. والرد على هذا بسيط جدًا وهذه بعض الأمثلة:

يقول القديس بولس: "لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه" (1كو25:15) فهل بعد أن يضع أعداءه تحت قدميه سيتوقف ملكه؟
وفي سفر صوموئيل يقول الوحي الإلهي: "ولم يكن لميكال ولد حتى يوم موتها" (2صم23:6) فهل ولدت بعد موتها؟
وفي سفر المزامير يقول المرنّم: "عيوننا نحو الرب إلهنا حتى يتراءف علينا" (مز2:123) فهل يتطلع داود إلى الله حتى ينال الرأفة وعند نوالها يحول عينيه عنه إلى الأرض؟
مما سبق نفهم أن قوله "حتى" لا يفيد تغير الوضع بعدها.
أما عبارة إبنها البكر فالرّد على ذلك بسيط أيضًا. فالبكر هو كل فاتح رحم (عدد 15:18)، حتى لو لم يكن له إخوة. والدليل أنه كان على شعب الله أن يقدم كل بكر لله دون أن ينتظر ولادة إخوة له. والمسيح صار بكرًا بين إخوة كثيرين (رو29:8). 

::: قراءة آبائيّــة  :::

قُوّة الكَلِمَة

المجد لذلِكَ الصَّوت الّذي صارَ جسمًا
وَللكَلِمَة العُليَا التِي صارَتْ جَسَدًا
سَمِعَتْهَا الآذان وَرَأَتْهَا الأَعيُن
لَمَسَتْهَا الأَيْدِيْ وَأَكَلَتْهَا الأَفْوَاه

أَيَّتُهَا الأَعْضَاءُ وَالحَوَاسّ أَدِّ الشُّكران
لِذَلِكَ الذي أَتَى وَأَحْيَا كُلَّ الأَعضاء
حَمَلَتْ مَريَم حامِل الأَعَالي
وَكَانَتْ مُحْتَجِبَة فيهِ كُلّ الأَلْسُن

كانَ يُوْسُف يَحمِلُهُ، وَيَحتَجِبُ فيه
طَبعٌ عَتِيقٌ أَقْدَمُ مِنَ الكُلّ
كانَ مُلقًى كالطِّفل، وَيَحْتَجِبُ فيه
كَنزُ الحِكمَة الّذي مِنْهُ يَأخُذ الجَميع

قراءة من مار أفرام السرياني 

::: تــــأمّـل روحي :::

بالبرّ والأمانة

منذ أن سقط آدم الأوّل في الحضيض بخطيئته الأولى والله يرافق الإنسان في مسيرة خلاصٍ ليُعيد له صورته البهيّة الأولى، إلاّ أن هذا الأخير بقِيَ متحجّر القلب متمسّكًا بأصنامه التي إخترعها بحسب حاجاته، فما كان من الله إلا أن يرسل إبنه لإتمام الوعد بالخلاص، وكأنّ بذلك سفر تكوينٍ جديد يفتح صفحاته الأولى مُمهدًا طريق شفائنا بيسوع، متجسّدًا في حشا مريم متّخذًا من جسدنا جسدًا، نازلاً إلى عمق تاريخنا ليكون فيه آدمَ الجديد. ولإكتمال هذا التاريخ كان لا بدّ من أن يكون مولودًا وسط عائلة بشرية فكان يوسف ذاك الرجل البار، المُختار، خطيب مريم، حوّاء الجديدة.

فمن هو يوسف؟
إنّه من سلالة داوود، وضعه الله في مشروعه الخلاصي للإنسان لما يحمله في شخصه من صفاتِ البرّ التي تتماهى مع طبيعة الخالق: الحبّ الّذي يتجلّى في الرحمة، صفاتٍ كسرت صورة آدم الأوّل الّذي تخلّى عن أمانته في حبّه لله ولحوّاء الأولى لتظهر معه صورة جديدة. وهنا أودّ أن أعرض مقاربة الأب Guy Van Den Eeckhaut بتصرّف:

 

آدم الأول

آدم الثاني (يوسف)

1

بجبانته يتهرّب ملقيًا المسؤوليّة على الله وعلى حوّاء:

"لست أنا، إنّها المرأة التي أنت أعطيتني إيّاها"

بِبرّه، قرّر أن يتركها سرًا ولم يرد أن يشهّر بها، ثمّ لإيمانه توقّف مفكّرًا وأصغى للملاك الّذي طلب منه تحمّل مسؤوليّته

2

يشير بإصبعه إلى زوجته حوّاء

يحتضن مريم خطيبته لحمايتها

3

إشترك في فعل الخطيئة مع حوّاء وحمّلها المسؤولية ليبرّر نفسه 

هو البريء، قرّر أخذ مريم إلى بيته لتثبيت براءتها

 

في ذلك تجلىّ برّ يوسف بأبهى صوره، كما أنّ ثقته بكلمة الله له جعلته يحمل على كاهله وضعًا يُعَدّ شاذًا لا يقبل به أيّ شخصٍ آخر في عصره (مع مريم، كان حملها بفعل الروح القدس، ويوسف علم بالأمر).

هو رجلٌ آمن بالحبّ وقدسيّته، تحمّل أن تبقى مريم خطيبته مستخلصًا بأنّه لا يمكنه الإتحاد بها، "لئلاّ يدنّس هيكل الروح القدس، الحشا الّذي قدّسه سرّ التجسّد"، بل الحفاظ عليها وعلى من حملته وولدته فيحميهما ويرعاهما ويعيلهما. فكيف لرَجلٍ مثله متخلّقٌ بخلق الله وممتلئٌ منه، كيف لا يفيض فيه الحبّ والرحمة والأمانة بغزارة؟!

هو الّذي تخلّى عن حلمه ومشروعه الخاصّ ليضع كلّ ما لديه من روح وعاطفة وجسد بين يديّ من حملته يداه وداعباه وعلّماه، ويستقبل مشروع الله الفاتح لزمن الخلاص، شاهدًا على حرّية عمله (عمل الله) ومجّانيّته ورحمته اللامحدودة، صامتًا أمام عظمة السرّ الّذي حلّ في سرّه (مريم) ليبقى أمينًا على وديعة الخلاص، تلك الجوهرة الثمينة.

هو الّذي إنْحَنَت روحه أمام عمّانؤئيل -الله معنا- الّذي هدّأ من خوفه ("لا تخف يا يوسف..." آ 20)، وشدّد ثقته الآتية من لدن الآب ("قام .. وفعل..." آ 24) وثبّت رجاءه بالخلاص ("سمّاه يسوع" آ 25(.
على قدر صمته وبرّه هناك كلامٌ يقال فيه وأكثر. بقي لنا أن نتعلّم منه كيف نلتصق بالكلمة - الإبن المتجسّد، يسوع المسيح، مندهشين، يجذبنا شخصه من خلال تعاليمة النابضة بالفرح والحياة، وعلى مثاله لنصنع تاريخنا ونكتبه بأحرف من نور لا ينطفئ. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... أشكرك على هبة نعمتك التي وهبتها للقديس بولس الرسول بفعل قُدرتك، فلولا تلك الهبة لمَا عرِفتُك وكنتُ في سلام، لما إستطعتُ أن أُناجيك وأقول "أحبُّك يا أبي". أشكرك على كلِّ وحْيٍ سندتَ به ضعفاتنا فأنت كما كتب القديس بولس: "أعطيتَ بعضهم أن يكونوا رسلاً، وبعضهم أنبياء، وبعضهم مبشّرين، وبعضهم رعاة ومعلمين، لتجعل القدّيسين أهلاً للقيام بالخدمة لبناء جسد المسيح، فنصِل بأجمعنا إلى وحدة الإيمان بإبن الله ومعرفته ونصير الإنسان الرّاشد ونبلغ القامة التي تُوافق كمال المسيح. فإذا تمّ ذلك لم نبقَ أطفالاً تتقاذفهم أمواج المذاهب ويعبث بهم كل ريح فيخدعهم الناس ويحتالون عليهم بمكرهم ليضلوه. وإذا عملنا للحقِّ بالمحبة نمَوْنا وتقدمنا في جميع الوجوه نحو ذاك الّذي هو الرأس، نحو المسيح: فإنّ به إحكام الجسد كلّه وإلتحامه، والفضل لجميع الأوصال التي تقوم بحاجته، ليُتابع نموّه بالعمل الملائم لكلٍّ من الأجزاء ويبني نفسه بالمحبة" (أفسس 4: 11-16).

ربّي وإلهي ... وحْيكَ ما زال يقود الكنيسة وسيبقى يقودها إلى الأبد فلا نخاف بل بكلِّ محبةٍ وثقةٍ نُسلّم لك حياتنا، ولعلّنا نفهم أن تسليم الذات لك لا يعني أننا سنعيش في رغدٍ ومِن دون أمراض أو صعاب بل على العكس: إنّ تسليم الذات لك هو كإنسانٍ ينظر إلى نفسه في مرآةٍ فيرى جسمه عريانًا مُمزقًا مُدمًّا بالسياط ومصلوبًا مِن قِبل مَن يجهلكَ كـ"الله محبّة"، فيعرفونك ويتغيّروا، فيفرحُ ويعملُ بحسب وحْيُكَ وينتظرُ بصمتٍ إتمام مشيئتك واثقًا بحضورك في كل الأوقات ومعتمدًا عليك.

ربّي وإلهي ... أدركتُ اليوم بأنه لا يستطيع كل إنسان أن يُميّز نعمتك على الآخرين من ذاته، وهو بحاجة لمعونتك الإلهية ليدرك هذه النعمة فيُشارك في جعلها نعمةً يعمُّ من خلالها الخير للجميع مجدًا لك ولهم، كما حدث مع القديس يوسف فأعنته على تمييز نعمتك على العذراء مريم.

ربّي وإلهي ... أعِنّا، وليكن أسمك القدّوس مباركًا ومُمجدًا في كلّ زمانٍ ومكانٍ ومِن كلّ الألسن، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

1- (المحتفل) نصلّي من أجلِ كنيستِنا والمسؤولينَ فيها، وخاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيديكتوس السادس عشر، البابا الفخريّ، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، ومار نصرالله أبينا، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ، كَي تبقى عيونُهم شاخصةً نحوَ سرِّ ولادةِ الكلمة من أجلِ خلاصِ البشرِ أجمعين، نسألك يا رب.
2- إزرَع في قلوبِنا نِعمةَ البرارةِ، فلا نُشَهِّرَ بأحدٍ، بل نستُرَ على كلِّ إنسانٍ، مهما بلغَت مساوئَهُ، نسألك يا رب.
3- أعطنا، عندما نبحثُ عنكَ ونتساءَلُ عن مشيئتِكَ حينَ تقسو علينا الحياة وتَكثُرَ الصِّعابُ وتتراكمُ الأحزان، أن نجدَكَ ونعيَ حكمتك المتنوِّعة، في قلبِ حياتِنا اليوميَّة، نسألك يا رب.
4- جميعنا مَرضَى، وجميعُنا بحاجةٍ إليكَ لِتَشفي جراحاتَنا النفسيَّة والجسديَّة، تحنَّن علينا، وحَوِّل آلامَنا بِنِعمتك لِتكونَ حافزًا لنا للتقدّمِ وإثباتِ الذّات، مجدًا لإسمِكَ، نسألك يا ربّ.
5- (المحتفل) إستقبِل في أحضانِك السّماويَّة، كلَّ الّذينَ فارقونا، لِيَصلوا إليكَ بجُرأةٍ وثقة، غافِرًا لنا ولهم الخطايا والزلاّت.

 

صلاة شكر للقدّاس

لأنَّك تسعى لإزالةِ الشّكّ من قلوبِنا،
لأنّك تسعى دَومًا لإظهارِ حقائقَ الأمور،
لأنّك تسعى أن نعرفَ حكمتَكَ المتنوِّعة، سرَّ تجسُّدِ المسيحِ الكلمة،
نشكرك،
نشكرك على إهتمامكَ بأدقِّ تفاصيلِ حياتِنا،
نشكرك، على تجسّدِكَ، وعلى حضورِك الدائم في القربان،
نشكرك ونحمدُك ونسجد لك، مع إبنِك وروحك القدّوس، من الآن وإلى الأبد، آمين.
 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة والصلاة

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

المقدّمة، أفكار من الرّسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الخوري شارلي عبدالله
yechou3@hotmail.com
https://www.facebook.com/mchi7o

 

 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

قراءة آبائيّة
من إعداد
الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts