الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن الميلاد المجيد

الأحد الرابع - أحد مولد يوحنا المعمدان
(9 كانون الأول 2018)

::: مـدخــل :::

• في هذا الأحد نتأمّل في ميلاد يوحنّا المعمدان وفي أذهاننا وقلوبنا الحريّة التي يحرّرنا إيّاها المسيح.
• يدعونا مار بولس كي نكون من أولاد المسيح وليس أولاد ناموس العالم لنرث الله مع المسيح.
• إنجيل اليوم يدعونا كي نختبر حب الله في الصمت، ونتوقف في حياتنا عند العلامات التي تُسعِفنا في مسيرتنا لنتحرَّر من كل العوائق ونثبت في خدمتنا، طالبين من الله سيِّد الحياة أن يُحرِّرنا من ضعفاتنا وأخطائنا ولتبقى يده دومًا معنا.
• فلنسأل الله أن يمنحنا نعمة الحريّة والحكمة للمحافظة عليها وحسن إستخدامها. 

::: صـلاة :::

نرفع قلوبنا إليك أيّها الكلمة الإلهي كي ننهي صمتنا عن البشارة بك ونسألك القوّة بالرّوح القدس لنعود ونشهد لك في كلّ ما نقوم به في حياتنا فيتمجّد بنا وبكلّ شيء أسمك القدّوس مع إسم أبيك وروحك القدّوس، آمين. 

::: الرسالة :::

21 قولوا لي، أنتُمُ الّذينَ يُريدونَ أنْ يكونوا في حُكمِ الشَّريعَةِ أما تَسمَعونَ الشَّريعَة
22 يقولُ الكِتابُ كانَ لإبراهيمَ إبنانِ، أحَدُهُما مِنَ الجارِيَةِ والآخرُ مِنَ الحُرَّةِ.
23 أمَّا الّذي مِنَ الجارِيَةِ فوُلِدَ حسَبَ الجسَدِ، وأمَّا الّذي مِنَ الحُرَّةِ فوُلِدَ بِفَضلِ وَعدِ اللهِ.
24 وفي ذلِكَ رَمزٌ، لأنَّ هاتَينِ المَرأتَينِ تُمَثِّلانِ العَهدَينِ. فإحداهُما هاجَرُ مِنْ جبَلِ سيناءَ تلِدُ لِلعُبودِيَّةِ،
25 وجبَلُ سيناءَ في بِلادِ العَرَبِ، وهاجَرُ تَعني أُورُشليمَ الحاضِرةَ التي هِيَ وبَنوها في العُبودِيَّةِ.
26 أمَّا أُورُشليمُ السَّماوِيَّةُ فَحُرَّةٌ وهِـيَ أُمُّنا،
27 فالكِتابُ يَقولُ إفرَحي أيَّتُها العاقِرُ التي لا وَلَدَ لَها. إهتِفي وتَهَلَّلي أيَّتُها التي ما عَرَفَت آلامَ الوِلادَةِ فأبناءُ المَهجورَةِ أكثرُ عَدَدًا مِنْ أبناءِ التي لها زَوجٌ.
28 فأنتُم، يا إخوَتي، أبناءُ الوَعدِ مِثلُ إسحقَ.
29 وكما كانَ المَولودُ بِحُكمِ الجسَدِ يَضطَهِدُ المَولودَ بِحُكُمِ الرُّوحِ، فكذلِكَ هيَ الحالُ اليومَ.
30 ولكِنْ ماذا يَقولُ الكِتابُ يَقولُ أ‏طرُدِ الجارِيَةَ وإبنَها، لأنَّ إبنَ الجارِيَةِ لنْ يَرِثَ معَ إبنِ الحُرَّةِ.
31 فما نَحنُ إذًا، يا إخوَتي، أبناءُ الجارِيَةِ، بَلْ أبناءُ الحُرَّةِ.
1 فالمَسيحُ حَرَّرَنا لِنكونَ أحرارًا. فإ‏ثبُـتوا، إذًا، ولا تَعودوا إلى نِـيرِ العُبودِيَّةِ.

(الرّسالة إلى أهل غلاطية – الفصل 4 الآية 21 إلى الفصل 5 الآية 1) 

::: تأمّـل من وحي الرسالة :::

يلجأ مار بولس الرسول لتشبيه يستخدم فيه صورة إمرأتين لإبراهيم: زوجته سارة الحرة وخادمته هاجر. سارة الحرة تنجب إبنًا بحسب وعد الله وضد الطبيعة، إبنًا يعطيه الله كحياة من موت. وهاجر الخادمة تنجب إبنًا بطريقة طبيعية مثل كل الناس خلافًا لوعد الله. مار بولس يقارن بين عهد النعمة والحرية بيسوع المسيح وبين عهد الناموس الّذي أُعطي في سيناء. وشبّه مار بولس عهد سيناء بهاجر خادمة سارة التي ولدت إسماعيل. وهذا العهد هو عهد العبودية. ويقارن مع إسحق إبن الموعد الّذي هو ليس إبنًا بحسب الطبيعة بل بحسب وعد الله. وكان في حياة إبراهيم عهدان، عهد الختان الّذي أخذه في حياة إسماعيل وبوجود هاجر الخادمة. وعهد الموعد الّذي سيقيمه الله في نسله. وكما عبر إبراهيم على عهد الختان رمز العبودية بسبب إسماعيل وهاجر إلى عهد الموعد رمز الحرية بسبب إسحق وسارة، هكذا عبر شعب الله من عهد العبودية في سيناء وهو عهد الختانة والناموس إلى عهد الحرية بالمسيح النسل الموعود.

فسيناء المصرية وهاجر المصرية وإسماعيل رموز لعهد الناموس، كل هذا إشارة للعبودية والختان.

أما إسحق إبن الوعد، هو إبن سارة الحرة مولود ضد الطبيعة، ولكن بحسب الوعد، هو رمز للمسيح الموعود به المولود من عذراء ضد الطبيعة، وإسحق أيضًا يرمز لعهد النعمة.

أورشليم ترمز لأورشليم السماوية وللكنيسة الآن.

سارة الحرة ترمز للعهد الجديد وللكنيسة التي حررها المسيح.

هاجر الجارية تشير لأورشليم الحاضرة أيام بولس الرسول، والمستعبدة للناموس.

لقد كان اليهود يفتخرون بأنهم أولاد إبراهيم بحسب الجسد. وهنا بولس يظهر لهم أن إسماعيل أيضًا إبن الجارية هو إبنًا لإبراهيم حسب الجسد. أما إسحق فله ميزة أنه ليس حسب الجسد بل حسب الوعد، لذلك ليس غريبًا أن ندعى أولاد إبراهيم رغمًا عن عدم إلتصاقنا به جسديًّا. وكما تأخرت سارة في الولادة تأخر الأمم في الإيمان، وتأخرت الكنيسة في الولادة عن بداية الشعب اليهودي. وهذا هو الوعد أنه كما خرج إسحق من حشا سارة الميت هكذا خرج الأمم المؤمنين الّذين صاروا أحياء بإيمانهم من حشا الأمم الوثني الميت. فمن يفتخر بأنه إبن لإبراهيم بالجسد فهو نظير إسماعيل. وأما نحن المسيحيين نفتخر بأننا أولاد لإبراهيم بالإيمان، إذ نحن صرنا أبناء بحسب الموعد نظير إسحق.

أُورشليم السماوية هي الكنيسة الآن، وإمتدادها بعد ذلك في السماء. وهي سماوية لأن المسيح قال ينبغي أن تولدوا من فوق (يو7:3)، وهي سماوية لأننا نحيا في السماويات (أف6:2) وسيرتنا هي في السماوات (في20:3). ولذلك يقول الكاهن في القداس: لتكن أفكارنا وعقولنا وقلوبنا مرتفعة إلى العُلا. وأورشليم السماوية سننطلق إليها في النهاية (يو2:14 و3). هي مدينة السلام، وطننا السماوي (رؤ2:21، 3، 9-27،11). والكنيسة هي كنيسة واحدة مكونة من نصفين، الكنيسة المنتصرة في السماء، والكنيسة المجاهدة على الأرض.

إسحق يشير لأولاد الموعد أي كنيسة المسيح، المواطنون السماويون شركاء الميراث، الّذين ما زالوا على الأرض لكنهم لهم حياة سماوية. ونحن نحصل على البنوّة لله بحسب وعد الله الّذي نسمعه من فم الكاهن في العماد.

لقد قيل في سفر التكوين إن إسماعيل كان يمزح مع إسحق ولكنه لم يكن مزاح بريء. فكلمة يمزح المستخدمة تشير للإستهزاء والسخرية. ونلاحظ أن أولاد الله غرباء في الأرض مضطهدين فيها. وكل غريب يكون مكروه كمتطفل. ولكن من يرفض الصليب على الأرض فهو يرفض نصيبه السماوي. لكن سارة قالت "هذا لا يرث مع إبني" وكأن الله يُؤَمِّن على كلام سارة، ومار بولس يلتقط هذا ويقول إن ابن ناموس العبودية لن يرث مع الأحرار أي الكنيسة. فإبن الجارية لا يرث مع إبن الحرة وإبن ناموس العبودية لا يرث في بركات المسيح وميراثه السماوي. وهذه نهاية المضطهِدين الّذين عاشوا لا يهتمون سوى بميراث الأرض ويضطهِدوا أولاد الله، فلا ميراث سماوي لهم. أما مَن تألم مع المسيح على الأرض فنصيبه في السماء. لهذا حذّر بولس أهل غلاطية أن يكون نصيبهم الطرد كهاجر وإسماعيل بسبب إستمرارهم في التمسك والإلتزام بالناموس كعبيد، فهم طالما يريدون أن يعيشوا كعبيد فلا ميراث سماوي لهم.

وفي هذا كله يريد مار بولس أن يقول لنا أيضًا، فلنكن أولاد المسيح وليس أولاد ناموس العالم لنرث الله مع المسيح. ولهذا نردد مع مار بولس: "فالمَسيحُ حَرَّرَنا لِنكونَ أحرارًا. فإ‏ثبُـتوا، إذًا، ولا تَعودوا إلى نِـيرِ العُبودِيَّةِ". 

::: الإنجيل :::

57 وجاءَ وقتُ أليصاباتَ لتَلِدَ، فولَدَتِ إ‏بنًا.
58 وسَمِعَ جيرانُها وأقاربُها أنَّ اللهَ غَمَرها برحمتِهِ، ففَرِحوا معَها.
59 ولمّا بلَغَ الطِّفلُ يومَهُ الثـامنَ، جاؤوا ليَختِنوهُ. وأرادوا أنْ يُسمُّوهُ زكَرِيَّا بإ‏سمِ أبـيهِ،
60 فقالَت أُمُّهُ لا، بل نُسمِّيهِ يوحنَّا.
61 فقالوا لا أحَدَ مِنْ عَشيرَتِكِ تَسَمّى بِهذا الإسمِ.
62 وسألوا أباهُ بِالإشارَةِ ماذا يُريدُ أنْ يُسمّى الطِّفلُ،
63 فطَلَبَ لوحًا وكتَبَ علَيهِ إسمُهُ يوحنَّا. فتَعجَّبوا كُلُّهُم.
64 وفي الحالِ إنفتَحَ فمُهُ وإ‏نطلَقَ لِسانُهُ فتكَلَّمَ ومَجَّدَ اللهَ.
65 فمَلأ الخوفُ جميعَ الجيرانِ. وتحدَّثَ النـاسُ بجميعِ هذِهِ الأُمورِ في جِبالِ اليهوديَّةِ كُلِّها.
66 وكانَ كُلُّ مَنْ يسمَعُ بِها يحفَظُها في قلبِهِ قائِلاً ما عسى أن يكونَ هذا الطِّفلُ لأنَّ يَدَ الرَّبِّ كانَت معَهُ.

( إنجيل القدّيس لوقا – الفصل 1 – الآيات 57 إلى 66) 

::: تـــأمّل من وحي الإنجيل :::

هكذا، ودون إتفاق سابق، إتفق زكريا وأليصابات على أسم يوحنا لوليدهما وكان هذا من الروح القدس الّذي قاد كلاهما، ولأن زكريا كان يقوده الروح القدس إنفتح فمه وتكلم لسانه. ولاحظ أنه بقيادة الروح القدس صار لزكريا ولزوجته فكرًا واحدًا، فأي إنقسام في الكنيسة مصدره أن الروح القدس لا يقود الجميع. ونلاحظ أنه حين نمتلئ من الروح القدس يكون لنا جميعًا الفكر الواحد، ويمتلئ فمنا تسبيحًا وفرحًا، فعلامة الإمتلاء من الروح القدس هي التسبيح.

ومن المثير للإستغراب أن يُسارع الأقارب والجيران إلى إعطاء إسم للمولود، هم الّذين على ما يبدو لم يكونوا على علم بحبل أليصابات، بل نجدهم يظهرون للمرّة الأولى يوم مولد يوحنّا، وها هم الآن يسرعون ليأخذوا مكان الوالدين. إن هذه الإشارة الى تدخّل الآخرين ينطوي على رسالة يريد لوقا إيصالها، رسالة تتخطى مجرّد الحشريّة أو تدخّل الآخرين في ما لا يعنيهم. إن الأقارب والجيران هنا يمثّلون الجماعة التي لم تدخل في منطق مخطّط الله الخلاصيّ: يريدون من يوحنّا أن يبقى كإستمراريّة لزكريّا، أن يشكّل جزءً من ماضي شعب الله، أن ينغلق على تاريخ والده، أن يصبح ربّما كاهنًا مثله. أراد المجتمع أن يطبع يوحنا بطابعه الخاص، ونسي أن ليوحنّا دعوته الخاصّة أن يكون علامة لرحمة الله لشعبه.

أمّا أليصابات فسارت عكس التيّار، لقد علمت أن الرّب يدعو إبنها الى المشاركة في مخطّط يتخطّى جبال اليهوديّة ووظيفة زكريّا أبيه، هو معدّ ليكون بأسره لله، مثل إسحق الّذي وُلد لسارة العجوز، مثل صموئيل الّذي وُلد لحنّة العاقر، لذلك فضّلت أن تقدّم إرادة الله على مخطّطها الخاص لإبنها، لأنّها علمت أن إبنها هو عطيّة الله، وأن الله يحضّر له الأفضل.

و كم من المرّات نطبع أولادنا وأبناء مجتمعنا بطابعنا الخاص، نفرض عليهم مخّططنا، نريدهم أن يصبحوا كما نريد، وننسى أن لكلٍّ منهم قصّته مع الرّب، وأن الله هو السّيد الوحيد على حياتهم، وهو الّذي يشركهم في مخطّطه بالطريقة التي يراها. كم من المرّات نحن نقرّر مستقبل أولادنا، نريدهم أن يكونوا نسخة عنّا، أو أن يحقّقوا أحلامنا الخاصّة، وننسى أن أولادنا هم عطيّة الله، وهو الّذي يرسم مخطّطه الخلاصيّ في حياتهم. إن ثقتنا بالله يجب أن تنعكس ثقة بأولادنا، فإحترامنا لدعوتهم، وثقتنا بقدرتهم على تحقيق أحلامهم، بمرافقتنا ودعمنا وصلاتنا، بالنصح لا بالفرض، بالحوار لا بالإكراه، هي إعلان للجميع أنّنا نؤمن بالله، وبحضوره في حياتنا وحياة أبنائنا وبمرافقته لنا.

ويبقى أن نلاحظ أن خروج زكريّا من صمته قد أصبح أكثر من معجزة شفاء، لقد صار علامة للجميع. في الحقيقة إن زكريا الّذي كان كاهنًا، ربما كان يتكلم أكثر مما يسمع، مستندًا إلى لغة اللسان دون الرجوع إلى لغة القلب، لذلك صمته هذا كان عودة إلى الداخل لكي يسمع الله في القلب، متأمِّلاً بقدرته، مدركًا إرادته وعاملاً بمشيئته. وهذا ما جعله يمجِّد الله بعد أن كتب إسم إبنه يوحنا على اللوح. في الواقع مَن منَّا ليس بحاجة إلى وقتٍ من الصمت لكي يعود إلى ذاته ليكتشف إرادة الله له ويعمل بها؟ مَن منَّا ليس بحاجة إلى إكتشاف محبة الله له وحنانه عليه؟ كُلُّنا ننطق بكلمات فيها الكثير من الإهانة الى الله، كلنا ننطق بكلمات مثيرة للإشمئزاز، هل عدنا يومًا إلى أنفسنا لنُمَجِّد الله بلساننا وقلبنا معًا كما فعل زكريا أم ما زلنا غير مبالين لذلك؟

لقد تمتَّعت أليصابات بحنان الله ونعمته "يوحنا" في أحشائها وإمتلأت بالروح القدس، تُرجِم ذلك عمليًّا بظهور الطفل يوحنا في الزمن المحدَّد، الّذي فرَّح قلوب الكثيرين. وهكذا يلزمنا نحن أيضًا أن نترجم ما نحمله من نِعم إلهيّة في أعماقنا إلى ثمر خارجي يُفرِّح السماويِّين والأرضيِّين. وولادة يوحنّا هي إعادة إعتبار لقيمة أليصابات ولدورها في مخطّط الله الخلاصي، هي إعلان لها ولمجتمعها أن لا أحد مستثنى من مخطط الله وأن الخلاص هو للجميع. هي رسالة رجاء لإليصابات وزكريّا، ولنا كلّنا، فالله يتدخّل ويعمل في حياتنا، حتى عندما نفقد الأمل ونخضع لواقعنا، فالله لا يخضع لبرامجنا، وهو القادر على كلّ شيء.

دعوتنا اليوم أيضًا، هي أن نختبر حب الله في الصمت، ونتوقف في حياتنا عند العلامات التي تُسعِفنا في مسيرتنا لنتحرَّر من كل العوائق ونثبت في خدمتنا، طالبين من الله سيِّد الحياة أن يُحرِّرنا من ضعفاتنا وأخطائنا ولتبقى يده دومًا معنا. 

::: قراءة آبائيّــة  :::

نَعَم، إنَّ تَجَسُّد الله هُوَ سِرٌّ عَظيمٌ وَيَبقَى سِرًّا... كَيفَ يُمْكِن الكَلِمَة (يَسوع) أن يَكونَ جَوهَرِيًّا في الجَسَد، هُوَ الّذي كُلُّهُ في الآب بِفِعْلِ كِيَانِهِ وَجَوْهَرِهِ الذَّاتِيَّين. كَيفَ أَمْكَنَ الله، وَهوَ بِكَامِلِ طَبيعَةِ اللهِ، أَنْ يَصيرَ إنْسَانًا بِحَسَبِ طَبيعَةِ البَشَر، بِغَيْرِ أَنْ يَتَنَكَّرَ لِهذه أَو تِلكَ مِنَ الطَّبيعَتَيْن، لا الإلهِيَّة التي فيها هُوَ الله، وَلا البَشَرِيَّة التي فِيها هُوَ إنْسَان؟
الإيمان هُوَ في أَساسِ كُلّ مَا يَفوق الإدراك، يَتَحَدَّى التَّعبير، فالإيمان وَحدَهُ يُمْكِنُهُ أَن يَسْبُرَ غَوْرَ هذا السرّ.

قراءة من مكسيموس المعترف (†662) 

::: تــــأمّـل روحي :::

مَن أكون؟

نستذكر اليوم ولادة طفل الزواج العقيم، رغم ذلك فهو الأعظم بين مواليد النساء، معرفته لنفسه تنامت مع قداسته في حاملًا، بكلّ أمانة، رسالته التمهيديّة للمجيء الخلاصي التي خصّه الله بها.

هذا اليوم يُحاكي كلّ إمرءٍ فينا، يحثّه فيه على الدخول إلى صمت النفس والبحث في السؤال عن ذاته: "وأنا مَن أكون؟"

الهبة: كلّ "أنا" منّا هي هبة من الله، خلقها ومعها رسالتها الخاصّة بها لتعيشها بكلّ أمانةٍ من أجلِ خيرها وخير الآخر، ودون إنكماشٍ على أيّ جزءٍ منها تطلقها للنور كاملةً حقيقية واضحة حيث تزهر الحياة فيها وتنمو لتنضج، فتنضمّ إلى رفيقاتها ويؤلّفوا الـ"نحن" الواحدة في الكنيسة. ومن هناك، وبنعمة الإيمان والكلمة والفعل والفكر، ينطلق بها روح الله، الّذي نلناه بالمعموديّة، نحو كلّ آخر حاملين بشرى الملكوت الحاضر بيننا؛ بشرى الخلاص والقداسة التي تعني: الحياة بحسب مشيئة الله.

وأنا؟: ها نحن اليوم أمام رجلٍ قدّيس: يوحنّا السابق، المعمدان، الأعظم في مواليد النساء. مولودٌ من زواجٍ مقدّس، حلّت فيه البركة حيث فشل العلم في إخضاع الطبيعة البشريّة له ولحلوله، آمن بالنعمة فعاش رسالته في تمهيد الطريق للمسيح من خلال الدعوة إلى التوبة.

لكنّ السؤال يبقى منتظرًا: وأنا...؟

لا أحد غيري يستطيع الإجابة وذلك بمعرفة ذاتي وإلى أين تقودني نفسي. فهل أنا أسير بحسب مشيئة الله من خلال ما خصّني به من هبات؟ هل أنا معلّمٌ قدّيس، تاجرقدّيس، عاملٌ قدّيس، طبيبٌ، مهندسٌ، محامي، ميكانيكي، أبٌ، أمٌ... يعيش رسالته بأمانه شاهدًا بذلك على قدسية رسالته ببساطة متناهية؟

السؤال بحدّ ذاته غريب عن منطق المؤمن بالله وبتعاليمه والعامل بها - وكم نفتقده في هذه الأيّام - لأنّه بديهيّ أن نكون قدّيسين، ألم يخلقنا هكذا؟ ألسنا نحن أولئك الأشخاص الّذين أرادهم الخالق أن يعلنوا ملكوته كي يتوب الجميع ويسترجعوا ما فقدوه من حياة النعمة؟ والأسئلة تنهمر...

أمّا القداسة؟ يا لجمالها، يا لرهبتها! كم من المرّات تخرس كلمات السوء على لساننا إحترامًا لشخصٍ "مستحقّ"، معروف بإيمانه وإستقامته وتواضعه يقترب منّا؟ فالقداسة إذًا هي حياة من صلب طبيعة خلق الله للإنسان تُشبّعه سلامًا وراحة، وليست شيئًا نكتسبه. لماذا إذًا نصوّرها على أنّها تتخطّى قدرة الإنسان العادي على عيشها؟ أليس لأنّنا نجهل قصد الله من خلقه لنا؟ أليس لأنّنا نُلبِس الفكر، الّذي وضعه الله فينا، ثوب العالمِ وهو ليس من طينته، فيجعل عليه غشاوة من الشرّ والجهل والإستسلام للسير في الطرق الملتوية؟

لذلك، فالجواب؟ هو واحدٌ لا ثاني له، يقوله لي الربّ الإله في ثالوثه كي أطمئنّ وآتيه: أنت مولودٌ للقداسة، فأنت ثمينٌ في عينيّ وقد حفرتك على راحتيّ وصوّرتك من قبل أن تولد... إن نسيت الأمّ رضيعها فأنا لن أنساك أبدًا لأنّني أحببتك فَـ"أنت أبني". 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... قرأتُ في سفر أرميا عن وعدك بإرسال ملكًا من نسل داود، وفي أيامه يُخلّصُ يهوذا ويسكنُ إسرائيل في أمان، والإسم الّذي سيُدعى به، هو ومدينته، هو "الرّبُّ برُّنا"، وسيُعيد بني إسرائيل للأرض التي وعدتهم بها (أرميا 23: 5-8)، ولعلّي أُدرك الآن بأنكَ كنت حينها تصف أورشليم السماويّة وأبناءها الأحرار بما صنعه لهم ملكها الرّب يسوع فكان هو برّهم.

ربّي وإلهي ... مَن مِنّا إستطاع أن يتبرّر بتنفيذ كلّ ما جاءت به الشريعة؟ مّن هو الصالح سواك؟ أشكرك يا مَن علِمتَ بضعفي فبرّرتني بمحبتك وهِبتك المجانية لي.

ربّي وإلهي ... سبحانك على موهبتك ومحبّتك اللتان لا تًدركان بالكامل وغير محدودتان لإشراك بني البشر بتحقيق الخلاص للجميع.

ربّي وإلهي ... يا مَن إعتمدت مبدأ التحنّن وحب العطاء والمشاركة مع الآخرين أساس البركة للزيادة فالإكتفاء للجميع (متى 15: 32-38)، أنعم علينا بما نحتاجه لنُشارك الآخرين بما نؤمن به مجدًا لك فيكون لهم خبزًا مشبعًا وحياة كما كان لنا. إملأ قلبنا بحب العطاء، يا مَن عطيّته أذهلت الجموع؛ أعطنا أن لا نبقى صامتين وإملأ الأرض صراخًا كرعدٍ تهتز له المسكونة كلها يأتي من بعده مطرًا غزيرًا يُنبِتُ عشبًا أخضر ويُحيي العشب الميت. متى سينفتح فمي لمجدك؟ متى ستكون ثمرة أعمالي مجدًا لك كما كان يوحنّا المعمدان إبن زكريا الكاهن؟ متى سأُشير إليك دون عائق؟ أنعم عليّ بصوتٍ صارخ يُذكِّر شعبكَ بإسمكَ إذ يومًا بعد يوم تنكشف لي عظمة قدرتك ومقدار حبّك لي ولجميع البشر، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

1- (المحتفل) نضع أمامك الكنيسةَ السائرة بحَسَبِ الوعدِ مع رُعاتِها، وخاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيديكتوس السادس عشر، البابا الفخريّ، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، ومار نصر الله أبينا، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ، كَي تبقى أيديَهُم مَمدودة لِتَدلَّ على المسيح المتجسِّد، نسألك يا رب.
2- مع إبراهيم، صُدِّقَ الوعد، مع زكريا، إبتدأ التنفيذ، مع مريم كانَتِ الطاعة والبَرَكة، ومع يوحنا إقترب ملء الزمان، أعطنا، أن نتابعَ المسيرةَ بحبٍّ وإخلاص، فنستعدَّ لإستقبالِ وِلادةِ المسيحِ في قلوبِنا لِتَنعَكِسَ على حياتِنا، فرحًا وخِدمةً وحنان، نسألك يا رب.
3- أعطنا أن نفهَمَ أنّنا أبناءُ الوَعدِ منَ الحُرَّة، ونتصرّفَ على هذا الأساس، فنقوى على عبوديَّة الإدمانِ بكلِّ أشكالهِ، واقفينَ وقفةَ ثباتٍ وإيمانٍ أمامَ مُجتمعٍ يدعو للفساد ويرذل الصّلاح، نسألك يا رب.
4- جميعنا مَرضَى، وجميعُنا بحاجةٍ إليكَ لِتَشفي جراحاتَنا النفسيَّة والجسديَّة، تحنَّن علينا، وحَوِّل آلامَنا بِنِعمتك لِتكونَ حافزًا لنا للتقدّمِ وإثباتِ الذّات، فنتشارك مع إبنك بِتَمجيدِك، نسألك يا ربّ.
5-(المحتفل) بِرجاءٍ عظيم، نستودعك جميعَ الّذين فارقونا، إستقبلهُم بِرَحمتك، وأجلِسهم على مائدَتك بِحَسَبِ وعدك، فيعاينوا نورك البهيّ، غافِرًا لنا ولهم الخطايا والزلاّت.

 

صلاة شكر للقدّاس

لقد ذكرتَ صُراخَنا وإضطهادَنا،
فأرسلتَ الملاك لبشارةِ زكريا، ويعلنُ إبتداءَ زمن الخلاص،
تحنّنتَ علينا، وأرسلتَ يوحنا لِيُعلِنَ إقترابَ تجسّدِ الكلمة،
شكرًا لك، لأنّك إلهٌ يحبُّ شعبهُ ويسمع له
شكرًا لك، على جسدِ إبنكَ ودمه الأقدسَين، علامة خلاصِنا، وعُربونَ الحياةِ الأبديَّةِ
شكرًا لك وحمدًا لإسمكَ مع إبنك وروحك القدّوس، من الآن وإلى الأبد، آمين.
 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة والصلاة

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

المقدّمة، أفكار من الرّسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الخوري شارلي عبدالله
yechou3@hotmail.com
https://www.facebook.com/mchi7o

 

 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

قراءة آبائيّة
من إعداد
الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts