الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن الميلاد المجيد

الأحد الثالث - أحد زيارة العذراء لأليصابات

(2 كانون الأول  2018)

::: مـدخــل :::

• في هذا الأحد، نتأمّل في دورنا كحاملين للمسيح إلى حيث تدعونا رسالتنا وشهادتنا.
• نتأمّل في مطلع رسالة مار بولس الرسول إلى الكنيسة في أفسس الّذي يحمل في جوهره "تسبحة حُب" لكلّ نفسٍ بكونها عضوًا حيًّا في الجسد المقدس خلال إتحاده بالرأس، لتكون على الدوام فيه، تنعم خلاله بمعرفة "سرِّ المسيح" على مستوى الخِبرة السماوية وبنظرة إنقضائية مجيدة.
• زيارة مريم لأليصابات تعطي نموذجًا لما يجب أن تكون عليه زياراتنا، فنحن نرى هنا مريم وأليصابات في فرح تُسبّحان الله على عطاياه، عوضًا عن جلسات الشكوى والتذمر.
• نرفع صلاتنا في هذا الأحد كي نستحقّ حمل الربّ يسوع إلى كلّ مكانٍ نزوره وإلى كلّ إنسانٍ نلتقي به. 

::: صـلاة :::

يا ربّ، نَشكُرُكَ على مَحَبَّتِكَ الّتي أَظهَرتَها لنا، عبر التّاريخ، من خِلال زياراتِكَ المُتَكَرِّرة لنا: في الخَلق، في الأنبياء وفي العَهدِ القَديمِ الّذي توَّجتَهُ بِلِقاءِ يوحنّا المَعمَدان، وَهوَ ما زالَ في حشا أليصابات. ونَشكُرُكَ على كمالِ المَحَبَّة، "الحق"، الّذي تَجلّى في تَجَسُدِكَ مِن أجلنا ومن أجل خلاصِنا، المُستَمِرّ في حياتنا في الإفخارستيا والكنيسة. أعطِنا أن نُبادِلَكَ المَحَبَّة والزيارة في شَخصِ كُلِّ إنسانٍ نَلتَقيه، ومِن خلالِهِ نَلتَقيك، يا ربّنا وإلَهَنا لك المجد إلى الأبد، آمين. 

::: الرسالة :::

1 مِنْ بُولُس، رَسُولِ الـمَسِيحِ يَسُوعَ بِمَشِيئَةِ الله، إِلى القِدِّيسِينَ الَّذِينَ هُم في أَفَسُسَ والأُمَنَاءِ في الـمَسِيح يَسُوع:
2 النِّعْمَةُ لَكُم والسَّلامُ مِنَ اللهِ أَبِينَا والرَّبِّ يَسُوعَ الـمَسِيح!
3 تَبَارَكَ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الـمَسِيح، الَّذي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ في السَّمَاوَاتِ في الـمَسِيح؛
4 فإِنَّهُ إخْتَارَنَا فيهِ قَبْلَ إِنْشَاءِ العَالَم، لِنَكُونَ في حَضْرَتِهِ قِدِّيسِين، لا عَيْبَ فينَا؛
5 وقَدْ سَبَقَ بِمَحَبَّتِهِ فَحَدَّدَنَا أَنْ نَكُونَ لَهُ أَبْنَاءَ بِالتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الـمَسِيح، بِحَسَبِ رِضَى مَشِيئَتِهِ،
6 لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا في الـحَبِيب؛
7 وفيهِ لَنَا الفِدَاءُ بِدَمِهِ، أَي مَغْفِرَةُ الزَّلاَّت، بِحَسَبِ غِنَى نِعْمَتِهِ،
8 الَّتي أَفَاضَهَا عَلَيْنَا في كُلِّ حِكْمَةٍ وَفَهْم؛
9 وقَدْ عَرَّفَنَا سِرَّ مَشِيئَتِهِ، بِحَسَبِ رِضَاهُ الَّذي سَبَقَ فَجَعَلَهُ في الـمَسِيح،
10 لِيُحَقِّقَ تَدْبِيرَ مِلْءِ الأَزْمِنَة، فَيَجْمَعَ في الـمَسِيحِ تَحْتَ رَأْسٍ وَاحِدٍ كُلَّ شَيء، مَا في السَّماوَاتِ ومَا عَلى الأَرْض؛
11 وفيهِ أَيْضًا إخْتَارَنَا مِيرَاثًا لَهُ، وقَدْ سَبَقَ فَحَدَّدَنَا بِحَسَبِ قَصْدِهِ، هُوَ الَّذي يَعْمَلُ كُلَّ شَيءٍ بِقَضَاءِ مَشِيئَتِهِ،
12 لِنَكُونَ مَدْحًا لِمَجْدِهِ، نَحْنُ الَّذِينَ سَبَقْنَا فجَعَلْنَا في الـمَسِيحِ رجَاءَنَا؛
13 وفيهِ أَنْتُم أَيْضًا، بَعْدَ أَنْ سَمِعْتُم كَلِمَةَ الـحَقِّ، أَي إِنْجِيلَ خَلاصِكُم، وآمَنْتُم، خُتِمْتُمْ بِالرُّوحِ القُدُسِ الـمَوعُودِ بِهِ،
14 وهُوَ عُربُونُ مِيرَاثِنَا، لِفِدَاءِ شَعْبِهِ الَّذي إقْتَنَاه، ولِمَدْحِ مَجْدِهِ.

(الرّسالة إلى أهل أفسس - الفصل 1 – الآيات 1 إلى 14) 

::: تأمّـل من وحي الرسالة :::

إنَّ مطلَعَ رسالة مار بولس الرسول إلى الكنيسة في أفسس يحمل في جوهره "تسبحة حُب" تشهد النفس التي تعرفت على مركزها بثبوتها في المسيح، لا كفردٍ منعزلٍ، وإنما بالحري كعضو حيّ في الجسد المقدس خلال إتحاده بالرأس، لتكون على الدوام فيه، تنعم خلاله بمعرفة "سرِّ المسيح" على مستوى الخِبرة السماوية وبنظرة إنقضائية مجيدة. بمعنى آخر، تحمل هذا التسبحة خطين واضحين هما: "في المسيح"، و"معرفة سرّ الله". فنحن كنيسة الله أو شعبه المقدس لأننا في المسيح، أما غاية إيماننا فهو المعرفة الإلهية، لا على مستوى السفسطة والجدال، وإنما على مستوى قبول إعلان الله لنا عن ذاته وأسراره.

ولهذا فقد إختارنا الله الآب بإبنه الحبيب قبل إنشاء العالم، وهذا الإختيار الإلهيّ هو بلا شك لا يقصد تجاهل "الحرية الإنسانية" في قبول الإيمان أو رفضه، فإن الله في محبته للإنسان لا يتعامل معه كما مع آلة جامدة أو كما مع قطع من الشطرنج يحركها بإصبعه، إنما يتعامل مع كائن عاقل وهبه الحرية، له أن يقبل الله ويتجاوب مع محبته ودعوته أو يرفض دون إلزام. وإنما ما عناه مار بولس هو أن الله الّذي يريد أن الكل يخلصون، والّذي في محبته يدعو الجميع لنوال فيض نعمته المجانية. وبسابق معرفته رآنا في إبنه المحبوب يسوع، وإختارنا فيه دون إلزام من جانبه عارفًا أننا نقبل دعوته. لقد أراد مار بولس أن يؤكد حقيقة هامة وهي أنه وإن كنا قد تجاوبنا مع دعوة الله لكن الفضل ليس لنا، وإنما ما نناله هو هبة مجانية، أُعطيت لنا في إستحقاقات الإبن الباذل حياته عنا، الفضل كله يعود إلى مقاصد الله الخلاصية ونعمته، لذلك يقول أيضًا: "الّذي خلّصنا دعانا دعوة مقدسة لا بمقتضى أعمالنا بل بمقتضى القصد والنعمة التي أُعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الأزمنة الأزلية، وإنما أُظهرت الآن بظهور مخلصنا" (2 تي 1: 9-10).

من هنا نفهم أنَّ الحرية الإنسانية والعقل هما هبة إلهية، وهما لا يقدران أن يُقدِّما للإنسان حياة الشركة دون العون الإلهي. فإن كان الإيمان من صنع الإرادة الحرة، لكنه هبة إلهية. إنه يشبه لاعب الكرة الّذي له الحرية أن يمسك بالكرة أو يرفض، لكنه لا يقدر أن يمسك بها ما لم تُقذف إليه. هكذا يمكننا أن نمسك بالإيمان أو نرفضه، لكننا في حاجة إلى يد الله تُقدِّمه لنا.

هذا ويؤكد مار بولس أن إختيارنا هذا قد تحقق "فيه" أي في يسوع، وأنه لم يحدث جزافًا بل بخطة التدبير الإلهي "قبل تأسيس العالم". وغاية الله الآب فينا أن يرانا نحمل سماته أي القداسة، وأن نتّحد بالذبيح الحيّ إبنه يسوع، كذبيحة حُب دائمة يشتمها رائحة رضى.

ولا بدّ هنا أن نمّيز بين مشيئة الله السابقة حيث يريد أن الكل يخلصون، وبسرور أن يهب البنوّة للجميع، وبين المشيئة أي السماح الّذي يصير خلال إصرارنا على الشر، فنسقط في الهلاك. بمعنى آخر حسب مسرة الله وغيرته يود لنا البنوّة والقداسة المتجلية في المحبة، لكنه لا يُلزمنا قسرًا، فإن رفضنا نهلك بسماحٍ إلهيٍ كثمرة طبيعية لما قبلناه بإرادتنا.

إن كان الله في مسرة مشيئته قدم لنا هذه النعمة السماوية المجانية، فهي أيضًا: "لمدحِ مجد نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب". إذ تتجلى نعمته المجانية التي تمجده أمام الكل، خاصة الخليقة السماوية التي تندهش لغنى حبه نحو الإنسانية. والآن، إن كان الله بيّن لنا نعمته لمدح مجد نعمته، فهل يعوز الطبيعة الإلهية شيء من المدح؟ طبعًا كلا، إذن هو يريدنا أن نمدحه ونمجده إنما لكي تشتعل محبتنا له بالأكثر في داخلنا. هو لا يطلب منّا شيئًا لذاته، لا خدمتنا ولا مدحنا ولا ما هو من قبيل ذلك. لا يريد سوى خلاصنا. هذه هي غاية كل ما يعمله.  

::: الإنجيل :::

39 وفي تِلْكَ الأَيَّام، قَامَتْ مَرْيَمُ وَذَهَبَتْ مُسْرِعَةً إِلى الـجَبَل، إِلى مَدِينَةٍ في يَهُوذَا.
40 ودَخَلَتْ بَيْتَ زَكَرِيَّا، وسَلَّمَتْ عَلَى أليصَابَات.
41 ولَمَّا سَمِعَتْ ألِيصَابَاتُ سَلامَ مَرْيَم، إرْتَكَضَ الـجَنِينُ في بَطْنِها، وَإمْتَلأَتْ مِنَ الرُّوحِ القُدُس.
42 فَهَتَفَتْ بِأَعْلَى صَوتِها وقَالَتْ: "مُبارَكَةٌ أَنْتِ في النِّسَاء، وَمُبارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ!
43 ومِنْ أَيْنَ لي هـذَا، أَنْ تَأْتِيَ إِليَّ أُمُّ ربِّي؟
44 فَهَا مُنْذُ وَقَعَ صَوْتُ سَلامِكِ في أُذُنَيَّ، إرْتَكَضَ الـجَنِينُ إبْتِهَاجًا في بَطْنِي!
45 فَطُوبَى لِلَّتي آمَنَتْ أَنَّهُ سَيَتِمُّ ما قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبّ!".

(الإنجيل بحسب القدّيس لوقا – الفصل 1 - الآيات 39 إلى 45) 

::: تـــأمّل من وحي الإنجيل :::

زيارة مريم لأليصابات تعطي نموذجًا لما يجب أن تكون عليه زياراتنا، فنحن نرى هنا مريم وأليصابات في فرح تُسبِّحان الله على عطاياه، عوضًا عن جلسات الشكوى والتذمر، وهنا مريم تحمل في داخلها المسيح القدوس وتذهب لتقدم خدمة لأليصابات، ويا ليتنا نحمل مسيحنا داخلنا ونذهب لنقدمه لكل إنسان، وهذا ما سيفرحنا ويفرح من نزورهم. بركات الزيارة ظهرت في الحال إذ إرتكض الجنين في بطن أليصابات وإمتلأت من الروح القدس. إبتهاج يوحنا في بطن أمه يشير للثمر الروحي الداخلي في النفس، فالجسد يشترك مع النفس في هذا الثمر. وإبتهاج الجنين في بطن أمه أليصابات كان لإمتلائه من الروح القدس. وبينما كان العالم كله يجهل كل شيء عن البشارة للقديسة مريم، إذ بأليصابات تعلن أمومة مريم العذراء لربّها، والأمر المدهش هو أن شهادة أليصابات بأمومة العذراء لربّها قد تمت بمجرد إصغاء أليصابات لسلام مريم؛ وكان هذا بسبب الساكن في أحشاء مريم والّذي أعطاها نعمة في كلامها.

إن كانت القدّيسة مريم قد صارت نموذجًا للبشريّة المؤمنة، أو للكنيسة بكونها قبلت الإيمان بوعد الله وإنحنت ليحل كلمة الله فيها، فإنَّها إذ تمتَّعت بالكلمة داخلها لم تستطع إلا أن تنطلق بسرعة لتلتقي بنسيبتها أليصابات. هذه صورة حيّة للكنيسة الحاملة للعريس فيها، والتي لن تستريح، بل تنطلق عَبر الأجيال لكي تقدّم عريسها لكل نفسٍ في العالم.

وإذا قرأنا الأمر حسب المنطق البشري، فكان يلزم مريم أن تتوارى، وتبحث الأمر في نفسها كما مع خطيبها، لتدبير أمر الحبل والميلاد، لكنها وقد حملت ذاك الّذي يحمل هموم ومشاكل العالم ويدبِّر كل الأمور لم تفكر فيما هو لنفسها، بل بروح الخدمة إنطلقت إلى الجبال إلى مدينة يهوذا لتخدم أليصابات.

إن حملنا مسيحنا في داخلنا ننطلق بقلب منفتح ونخرج عن "الأنا" متَّسعة قلوبنا بالحب للجميع، مشتهين خدمة الجميع!

حسب المنطق البشري يبحث الفقير عن الغَني، والمحتاج عمّن يسد له إحتياجه، والتلميذ عن معلِّم، أما حسب المنطق الإلهي فالكبير يطلب الصغير ويبحث عنه، لكي يضمُّه بالحب ويحمله على منكبيه. هكذا "الله أحبَّنا أولًا"، لقد بادر بالحب ونزل إلينا، إذ لا نقدر نحن أن نرتفع إليه. هو ينحني ليحملنا من التراب وينتشلنا من الأعماق ليدخل بنا إلى أحضان الآب ويرفعنا إلى سماواته. وهكذا إذ يحل فينا نجري نحو الضعفاء ونبحث عن الكل لخدمتهم. إن حَمَلْنا مسيحنا القدّوس نتقدَّس فننطلق إلى كل موضع مشتاقين أن يقدِّس الكل معنا!

ولأن القدّيسة مريم حملت كلمة الله محب البشر، جاء لقاؤها مع أليصابات رقيقًا للغاية، تحمل روح الخدمة في تواضع ووداعة. فما أحوجنا اليوم إلى إدراك أن نوالنا نعم الله، يلزم أن يدفعنا للخدمة المتواضعة بلا حب للكرامة الباطلة أو التسلُّط، إنما بشوق لتقديم حب الله الكائن فينا!

ويا ليتنا في زياراتنا ولقاءاتنا مع الآخرين نحمل إليهم مسيحنا القدّوس الّذي يبهج أحشاءهم الداخليّة، ويلهب روحه القدّوس فيهم، عوض أن نحمل معنا أفكارًا شرِّيرة وكلمات إدانة فنملأهم غمًّا ونطفئ الروح في داخلهم. 

::: قراءة آبائيّــة  :::

لا أنطِقُ بالغَرائِب، وَلا أَعتَمِد الأَحَاجي، بَل أَنْصَاع لِتَعليم الرُّسُل، وَأُقيمُ ذاتِي مُعَلّم الأمم. ما تَسَلَّمْتُهُ مِنَ الأَقْدَمين أَنْقُلُهُ بِدِقَّةٍ وَأَمَانَةٍ لِمَنْ تَتَلْمَذُوا للحَقّ: مَنْ ثَقَّفَهُ الكَلِمَة (يَسوع) بِعَطْفِهِ وَجُوْدِهِ، وَوَهَبَهُ الحَيَاة، كَيْفَ لا يَهْرَعُ لِيَتَعَلَّم كُلّ مَا أَوْحَاهُ الكَلِمَة إلى تَلامِيذِه؟ لَقَدْ ظَهَرَ الكَلِمَة وَإعْتَلَنَ للبَشَر. وَإذ لَمْ يَفْهَمْهُ مَنْ لَمْ يُؤمِنُوا بِهِ، كَشَفَ عَنْ سِرِّهِ لِتَلامِيْذِهِ الّذينَ عَرَفَهُم.

قراءة من الرِّسالَة إلى ديوجينوس (حوالي القرن الرابع) 

::: تــــأمّـل روحي :::

لقاء البشارتين

سلام الله الّذي حلّ فيكِ أيتّها المباركة بين النساء أفاضه الروح القدس على يوحنّا وهو ما زال في الحشا "فإرتكض إبتهاجًا" وكأنّ يسوع أطلقه منذ تلك اللحظة نبيًّا صوب البشارة، فإمتلأت أليصابات أمّه أيضًا من هذا الفيض لتصبح أولى المبَشَّرات بالتجسّد، ولم تستطع إلاّ أن هتفت بنشيدها أمام القربان وبيته الأوّل، مريم: "مُبارَكَةٌ أَنْتِ في النِّسَاء، وَمُبارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ! ومِنْ أَيْنَ لي هـذَا، أَنْ تَأْتِيَ إِليَّ أُمُّ ربِّي؟ فَهَا مُنْذُ وَقَعَ صَوْتُ سَلامِكِ في أُذُنَيَّ، إرْتَكَضَ الـجَنِينُ إبْتِهَاجًا في بَطْنِي! فَطُوبَى لِلَّتي آمَنَتْ أَنَّهُ سَيَتِمُّ ما قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبّ!". (لو 1: 42-45)

هي لحظة إيمانٍ تنقلب حياة الإنسان رأسًا على عقب، تنتزعه من حيرة فكره وشكّه إلى اليقين الدامغ الّذي لا يقبل الجدل. هي وقفة إيمانيّة متبصّرة مع الذات أمام الله وعمله في حياتنا كبشر، كافية لتكشح ظلمة الغير معقول في نظرنا والغير ممكن بقدرتنا فتظهر قدرة الله في جعلِ كلّ شيء يريده، ممكنًا، فالنعمة الروحية لا تعرف التأجيل ولا التباطؤ بل تفعل فعلها في اللحظة عينها، لحظة الـ"نعم" المريميّة التي ولدت الخلاص، وجعلت يوحنّا يرتكض فرحًا...

في هذا الزمن المبارك، زمن الميلاد، لا بدّ لكلّ نفسٍ مؤمنة، تجتهد لتتنقّى من الخطيئة، من أن:
- تفرح هي أيضًا، لأنّ كلمة الله تتصوّر في "أحشائها" وتملؤها لتنمو فيها وتلدها وتعترف بأعمال الربّ وعظائمه.
- "من أن تتنبّه إلى حضور يسوع حيث أمّه مريم حاضرة، وأنها، إن فتحت قلبها على العذراء تلتقي وتستقبل الإبن.
- تثق بحقيقة أنّ الإخلاص لمريم لا يحجب ولا يقلل، ولا بأيّ شكلٍ من الأشكال، من إيماننا وحبّنا ليسوع المسيح مخلصنا، الوسيط الوحيد بين الله والناس" (البابا فرنسيس)
- تختبر حبّ الله لها، وتذهب نحو الآخرين لتخدمهم بطريقة ما حيث حبّه يفيض فيها وفي كل مَن تلتقيهم،
- تسعى لتحمل الله إلى كلّ مَن تلتقيه وتتشارك معه الفرح والسلام كما فعلت مريم في زيارتها لأليصابات.

في الختام، وبإقتدائنا بهاتين المرأتين: مريم وأليصابات، هناك يسوع الإفخارستي الّذي يحملنا شيئًا فشيئًا على السير بثبات في طريق الإيمان والثقة وسلام الله، من أجل نقل هذا الحب وعيشه بشفافية وتواضع. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... أكملت العذراء مريم طاعتها لكلمتك التي جاءت بالعهد القديم والتي أوصت بحبّك فوق كل شيء من كل القلب والفكر والنفس وبكل قوة، وحب الآخر كحب الذات، فبَعد أن قالت "نَعَم"، خرجت مُسرعة لقريبتها لتخدمها في فترة حملها والولادة وهي قد أصبحت حامل أيضًا، وفضّلت رعاية القريب على راحة جسدها، خرجت تحمل "المُخلِّص" في أحشاءها للضعيف والمحتاج والكائن في الظلمة فيكون له فرحٌ عظيم.
ربّي وإلهي ... أنتَ وفيتَ بوعودِك، وبالروح القدس أتْمَمْت قصدكَ، ولكن ماذا عنّا نحنُ؟ هل نُتمِّم وصاياك كما فعلت العذراء مريم؟ هل نتصرّف مع الآخرين فعلاً كأبناءٍ لك بالتَّبنِّي بيسوع المسيح؟
ربّي وإلهي ... محبة القريب والمحتاج والضعيف؛ خدمة الآخرين بأمورٍ لا يستطيعون القيام بها؛ تحمّل المشقات في سبيل راحة الآخرين؛ تعريف الآخرين بالرَّب يسوع؛ إشعاع محبتك للآخرين ... كلّها أعمالاً تُفرحكَ، فأنْعِم علينا بروحك القدّوس أن نكون مِمّن يُفرِحون قلبكَ، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

1- (المحتفل) في زمن الميلاد هذا، نضع أمامك الكنيسةَ السائرة بحَسَبِ الوعدِ مع رُعاتِها، وخاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيديكتوس السادس عشر، البابا الفخري، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، ومار نصر الله أبينا، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ، كَي يَبقى رَجاءُهم بالمسيحِ يسوع، الّذي به وفيه ومعه تمّ الخلاص والإنتصار على كلِّ حِقدٍ وشَرّ، نسألك يا رب.
2- مع إبراهيم، صُدِّقَ الوعد، مع زكريا، إبتدأ التنفيذ، ومع مريم كانَ التجاوُب المثالي بالطاعةِ والإسراعِ إلى الخِدمة، أعطنا، أن نتابعَ المسيرةَ بحبٍّ وإخلاص، فنستعدَّ لإستقبالِ وِلادةِ المسيحِ في قلوبِنا لِتَنعَكِسَ على حياتِنا، فرحًا وخِدمة، نسألك يا رب.
3- ختمتَنا جميعًا بروحِكَ القدّوس، وجعلتَنا ميراثَا لك بالمسيحِ يسوع، لم تنظُر إلى ضُعوفاتِنا، بل إلى ما وهبتَنا مِن نِعَمٍ تُدهِشُ العالم؛ أعطنا أن نؤمنَ بمواهبِكَ فينا وبعَطاياكَ الغزيرةِ لنا، فننالَ الطوبى الّتي نالتها مريم، نسألك يا رب.
4- جميعنا مَرضَى، وجميعُنا بحاجةٍ إليكَ لِتَشفي جراحاتَنا النفسيَّة والجسديَّة، باركنا، وحَوِّل آلامَنا بِنِعمتك لِتكونَ حافزًا لنا للتقدّمِ وإثباتِ الذّات، فنتشارك مع إبنك بِتَمجيدِ إسمكَ، نسألك يا ربّ.
5- (المحتفل) بِرجاءٍ عظيم، نستودعك جميعَ الّذين فارقونا، إستقبلهُم بِرَحمتك، وأجلِسهم على مائدَتك بِحَسَبِ وعدك، فيعاينوا نورك البهيّ، غافِرًا لنا ولهم الخطايا والزلاّت.

 

صلاة شكر للقدّاس

نُباركُكَ لأنّك باركتَنا بكلِّ بركةٍ روحيّة في السماوات،
نمدحكَ لأنّك إخترتنا من قبلِ إنشاءِ العالم، لِتجعلَنا قدّيسين،
نُحبّك لأنَّك بِمَحبَّتِكَ، حدّدتَنا وصقلتَنا لِنُصبحَ أبناءً لك بالمسيحِ يسوع،
نشكرك لأنَّك جعلتنا ميراثًا لك، ونحمدُكَ لأنّك ختمتنا بالروح القدس عربون هذا الميراث،
نسجد لك لأنّك وسمتَنا بِجسد إبنِك ودمهِ الأقدَسَين،
نباركُكَ، ونمدحك، نحبّك، ونشكرك، نحمدُك، ونسجد لك، لأنّك تثق بنا رغمَ كلِّ شيء،
أيّها الآب مع إبنك وروحك القدّوس من الآن وإلى الأبد، آمين. 


 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة والصلاة

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

المقدّمة، أفكار من الرّسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الخوري شارلي عبدالله
yechou3@hotmail.com
https://www.facebook.com/mchi7o

 

 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

قراءة آبائيّة
من إعداد
الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts