الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن الميلاد المجيد

أحد بشارة العذراء
(25 تشرين الثاني 2018)

::: مـدخــل :::

• ندخل مع هذا الأحد في مسيرة التجسّد مع البشارة بالخلاص إلى العذراء مريم.
• في الرّسالة إلى أهل غلاطية، نتأمّل في أمانة الله لوعوده ونبحث مع الرّسول بولس في مسألة الناموس وأسباب وجوده.
• في الإنجيل، نتأمّل في طاعة مريم العذراء وفي دورنا لتأوين البشارة في كلّ آنٍ وأوان.
• لقد حقّق الله وعوده الخلاصيّة بالمسيح يسوع فهل نحن أمناء أيضًا لعهدنا بالبرّ لله في حياتنا مع النّاس؟! 

::: صـلاة :::

أيّها الإبن السماوي، يا مَن حقّقت وعود الآب بالخلاص، نشكرك في هذا الأسبوع على البشارة إلى مريم التي سمحت للبشريّة بأن تقول لك نعم للخلاص وللفداء الّذي تحقّق بفدائك لنا والّذي يستمرّ بالتحقّق بواسطة عمل الرّوح القدس في الكنيسة، أنت يا مَن تحيا وتملك، مع الآب والرّوح القدس، إلى أبد الآبدين، آمين. 

::: الرسالة :::

15 أَيُّهَا الإِخْوَة، كَبَشَرٍ أَقُول: إِنَّ الوَصِيَّة، وإِنْ كَانَتْ مِنْ إِنْسَان، إِذَا أُقِرَّتْ، لا أَحَدَ يُبْطِلُهَا أَو يَزِيدُ عَلَيْهَا.
16 فالوُعُودُ قِيْلَتْ لإِبْراهِيمَ وَلِنَسْلِهِ. ومَا قِيْلَتْ: "ولأَنْسَالِهِ"، كأَنَّهُ لِكَثِيرِين، بَلْ "وَلِنَسْلِكَ"، كَأَنَّهُ لِوَاحِد، وهُوَ الـمَسِيح!
17 فأَقُولُ هـذَا: إِنَّ وَصِيَّةً سَبَقَ اللهُ فأَقَرَّهَا، لا تُلْغِيهَا شَرِيعَةٌ جَاءَتْ بَعْدَ أَرْبَعِ مِئَةٍ وثَلاثِينَ سَنَة، فَتُبْطِلُ الوَعْد.
18 وإِذَا كَانَ الـمِيرَاثُ مِنَ الشَّرِيعَة، فَهُوَ لَمْ يَعُدْ مِنَ الوَعْد؛ والـحَالُ أَنَّ اللهَ بِوَعْدٍ أَنْعَمَ بِالـمِيرَاثِ على إِبرَاهِيم.
19 إِذًا فَلِمَاذَا الشَّرِيعَة؟ إِنَّهَا أُضِيفَتْ بَسَبَبِ الْمَعَاصِي، حَتَّى مَجيءِ النَّسْلِ الَّذي جُعِلَ الوَعْدُ لَهُ. وقَدْ أَعْلَنَهَا مَلائِكَةٌ على يَدِ وَسِيطٍ، هُوَ مُوسى.
20 غيرَ أَنَّ الوَاحِدَ لا وَسيطَ لَهُ، واللهُ واحِد!
21 إِذًا فَهَلْ تَكُونُ الشَّرِيعَةُ ضِدَّ وُعُودِ الله؟ حاشَا! فَلَو أُعْطِيَتْ شَرِيعَةٌ قَادِرَةٌ أَنْ تُحْيي، لَكَانَ التَّبْرِيرُ حَقًّا بِالشَّرِيعَة.
22 ولـكِنَّ الكِتَابَ حَبَسَ الكُلَّ تَحْتَ الـخَطِيئَة، لِكَيْمَا بالإِيْمَانِ بيَسُوعَ الـمَسِيحِ يُعْطَى الوَعْدُ للَّذِينَ يُؤْمِنُون.

(الرّسالة إلى أهل غلاطية – الفصل 3 - الآيات 15 إلى 22) 

::: تأمّـل من وحي الرسالة :::

يلجأ القديس بولس الرسول لمنطق واضح جدًّا، أنه إذا وعد إنسان إنسانًا آخر بشيء، لا أجرؤ أنا أو غيري أن نغيّر وعد هذا الرجل ونضيف شروطًا أخرى عليه. فكم بالأحرى بوعد الله لإبراهيم، فالله تعهد لإبراهيم فكيف يجرؤ أحد على نقض عهد الله بالزيادة أو بالنقصان؟

كان الوعد أن يتبرر إبراهيم بالإيمان وفيه تتبارك كل الأمم، فمَن مِن حقِّه أن يضيف شيئًا آخر كالختان أو الناموس الّذين أتوا بعد وعد الله بسنوات طويلة؟ بولس يريد أن يقول لأهل غلاطية، إن الله وضع شرط الخلاص والتبرير بالإيمان. إذًا عليهم أن لا يضيفوا شيئًا آخر على ما قاله الله لإبراهيم. ونلاحظ أن الناموس أتى بعد الوعد بحوالي 430 سنة ولم يذكر في الوعد شيء عن حفظ أعمال الناموس، بل ذكر فيه الإيمان. فهل يُغيِّر الناموس الذي أتى بعد الوعد بـ 430 سنة وعد الله لإبراهيم؟ قطعًا لا. ووعد الله لإبراهيم بأن يبارك الأمم فيه (تك3:12) شرطه أن يشبهوا أباهم إبراهيم ويؤمنوا مثله ويعملوا أعماله (يو8: 39) فيكونوا أولاده في الإيمان (غل7:3، 8). فمن يؤمن مثله يتبارك مثله.

ووعود الله ثابتة للأبد، ويتركز في الإيمان بنسل إبراهيم الواحد والّذي فيه تتبارك كل الأمم. وغلطة المتهودين أنهم حسبوا أن الناموس التأديبي قادر أن يلغي العهد المجاني لإبراهيم. هؤلاء تمسكوا بناموس يؤدب بالموت كل من يتعدى عليه، ويبطلوا عهد الإيمان المجاني بالبركة. هؤلاء لم يفهموا أن الناموس (أي قانون) دائمًا للعقاب أما وعد الله لإبراهيم فيتضمن الميراث المجاني لمَن يؤمن (رو17:8).

فما هي هذه البركة التي ستكون لأولاد إبراهيم الّذين يشبهونه في إيمانه؟

ما سنرثه هو مجدٌ أبدي وفرحٌ أبدي، ما لم تره عين وما لم تسمع به أذن وما لم يخطر على بال إنسان. وأجسادنا يصير لها نفس جسد المسيح الممجد فنصير مثله. فإن فهمنا أن الميراث سيكون في نظير أعمال، فما هو العمل الّذي يوازي ما سنحصل عليه في السماء. كان الناموس القديم يلزم الخاطئ بتقديم شاة أو غسل يديه، فهل الأمجاد السماوية تناظر شاة؟ لقد تساءل هذا السؤال ميخا النبي فقال: "بم أتقدم إلى الرب... هل يسر الرب بألوف الكباش. بربوات أنهار زيت" (مي6:6، 7)، ويجيب ميخا عن ما الّذي يفرح الرب حقيقة قائلا: "أن نصنع الحق ونحب الرحمة ونسلك بتواضع مع الله" (مي8:6). لذا فأعمالنا بحد ذاتها لن تخلصنا وإلا ما كان المسيح قد تجسد وصلب وقام. ولكن حتى نمتلئ من النعمة علينا أن نجاهد في أعمال المحبة والرحمة كإنعكاس و تجسيد للإيماننا.

يبقى السؤال، إذا كان الوعد بالبركة مجانيًّا بالإيمان فلماذا الناموس؟

والجواب أتانا به القديس بولس، إذ أوضح أنه كان بسبب التعديات. فبعد سقوط آدم تحجر قلب البشر وصاروا ينحدرون من مستوى إلى مستوى أحطّ وزادت التعديات. فكان أن أعطاهم الله الناموس عونًا ليسيطر على أخلاقهم الشرسة ويهذبهم. كان الناموس كلجام لهم ليضبطهم حتى لا ينفلتوا في الشر. والناموس عَرَّفَ الخطية وأدخل الخاطئ تحت عقوبة الموت. لهذا قال القديس بولس أن عمل الناموس كان إلى أن يأتي النسل الموعود به -أي المسيح- الّذي ستكون به البركة، لكل من يؤمن به. فالفداء وإرسال الروح القدس سيغير طبيعتنا كطريق للخلاص.

في العهد القديم، إستلزم الأمر أن يكون هناك وسيط بين الله والناس وهو موسى. فالله يعطي الناموس للملائكة، والملائكة تعطيه لموسى، وموسى يعطيه للشعب. أما في العهد الجديد فلم يكن هناك وسيط بين طرفين، بل يوجد واحد هو الله معطي الوعد، والله الّذي إتّحد بالطبيعة البشرية، فالله المعطي هو كل شيء وهو الوسيط. والإنسان قابل العطية قد إتّحد به الوسيط إبن الله. والعطية كانت هي هذا الإتحاد. لم يعد هناك طرفان بينهما وسيط، فالله الإبن أخذ جسدًا وتأنس وإتّحد بالبشرية. الله صار هو كل شيء، لم يعد يظهر في الصورة سوى الله، فالإنسان مهما كان هو لا شيء أمام الله.

والآن إن أنا نفَّذت الوصايا بالمسيح الّذي فيَّ، فهل أنتفخ وأتفاخر بنجاح مصدره هو المسيح، وكأنني أنا مصدر البر وليس المسيح؟ إنَّ المسيحي الحقيقي يزداد تواضعًا كلما إزداد برّه. فبِرّ المسيحي راجع لأن المسيح يحيا فيه، والمسيح الّذي يحيا في المسيحي هو مسيح متواضع. فلا يصح مثلاً أن أقف أمام الله وأقول: أنا صليت لك وصُمت لك وخدمتك وساعدت الفقراء و... فلماذا تسمح لي بكذا وكذا من التجارب والضيقات... لا يصح أن نتفاخر بأعمالنا أمام الله، لأن ما أعطاناه الله يفوق بما لا يقاس ما يمكن لنا نقدمه له. 

::: الإنجيل :::

26 وفي الشَّهْرِ السَّادِس، أُرْسِلَ الـمَلاكُ جِبْرَائِيلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِلى مَدِينَةٍ في الـجَلِيلِ أسْمُهَا النَّاصِرَة،
27 إِلى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُلٍ مِنْ بَيْتِ دَاودَ أسْمُهُ يُوسُف، وإسْمُ العَذْرَاءِ مَرْيَم.
28 ولَمَّا دَخَلَ الـمَلاكُ إِلَيْهَا قَال: "السَّلامُ عَلَيْكِ، يَا مَمْلُوءَةً نِعْمَة، الرَّبُّ مَعَكِ!".
29 فَإضْطَربَتْ مَرْيَمُ لِكَلامِهِ، وأَخَذَتْ تُفَكِّرُ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هـذَا السَّلام!
30 فقَالَ لَهَا الـمَلاك: "لا تَخَافِي، يَا مَرْيَم، لأَنَّكِ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ الله.
31 وهَا أَنْتِ تَحْمِلينَ، وتَلِدِينَ إبْنًا، وتُسَمِّينَهُ يَسُوع.
32 وهُوَ يَكُونُ عَظِيمًا، وإبْنَ العَليِّ يُدْعَى، ويُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ عَرْشَ دَاوُدَ أَبِيه،
33 فَيَمْلِكُ عَلى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلى الأَبَد، ولا يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَة!".
34 فَقالَتْ مَرْيَمُ لِلمَلاك: "كَيْفَ يَكُونُ هـذَا، وأَنَا لا أَعْرِفُ رَجُلاً؟".
35 فأَجَابَ الـمَلاكُ وقالَ لَهَا: "الرُّوحُ القُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وقُدْرَةُ العَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، ولِذلِكَ فالقُدُّوسُ الـمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى إبْنَ الله!
36 وهَا إِنَّ إِلِيصَابَاتَ نَسِيبَتَكِ، قَدْ حَمَلَتْ هيَ أَيْضًا بإبْنٍ في شَيْخُوخَتِها. وهـذَا هُوَ الشَّهْرُ السَّادِسُ لِتِلْكَ الَّتي تُدْعَى عَاقِرًا،
37 لأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى اللهِ أَمْرٌ مُسْتَحِيل!".
38 فقَالَتْ مَرْيَم: "هَا أَنا أَمَةُ الرَّبّ، فَلْيَكُنْ لِي بِحَسَبِ قَوْلِكَ!". وإنْصَرَفَ مِنْ عِنْدِها الـمَلاك.

(إنجيل القدّيس لوقا – الفصل 1 - الآيات 26 إلى 38) 

::: تـــأمّل من وحي الإنجيل :::

لقد تمت البشارة بالمسيح الله المتجسد الّذي أخلى ذاته في بيت فقير مجهول، في قرية فقيرة مجهولة، بطريقة سرية، لم يشعر بها حتى يوسف النجار، مع فتاة فقيرة بسيطة عذراء، إختارها الرب لأنها كانت مملوءة نعمة، ثم ملأها بالأكثر، وأعطاها نعمة فوق نعمة. وهيأها لتصير أمًّا له. وما أعظم هذه النعمة أن يتحد فيها لاهوت المسيح مع ناسوته، إتحاد الله بالإنسان.

لكن العذراء قد إضطربت ولم تستطع أن تجاوب على بشارة الملاك لها، فهي لم يسبق لها الكلام مع ملائكة. وسؤال العذراء لا يدل على شك، بل هي لا تدري كيف يتم هذا الأمر وهي عذراء، و هذا أمر لن يتكرَّر في التاريخ أن تحبل عذراء بدون زرع بشر. وكانت إجابة الملاك على سؤالها "كيف يتم هذا الأمر؟" بقوله أن الروح القدس يحل عليها لتقديسها، فتتهيأ لعمل الآب الّذي يرسل إبنه في أحشائها ليتجسد منها. حقًا هذا سر إلهي فائق فيه يعلن الله حبه العجيب للإنسان وتكريمه له.

ولأنَّ من سِمات البشر الضعف وإن كانوا مؤمنين ومملوئين من كل نعمة، يقدم الملاك للعذراء دليل على صدق كلامه، بأن نسيبتها أليصابات حبلى، ويُذكّرها أنه لا يستحيل على الرب شيء.

أمام هذا الإعلان أحنت العذراء رأسها بالطاعة الإيمانية على مثال إبراهيم، وبينما شكَّ زكريا آمنت العذراء. إن طاعة العذراء مريم قد حلت محل عصيان حواء أمها. فمريم بقولها نعم نالت النعمة من عند الله لتكون شريكته في مشروع الخلاص، وبدأت مسيرة حياة جديدة هي مسيرة العهد الجديد مع إبنها يسوع.

ونلاحظ أن العذراء كانت إجابتها كلها إتّضاع، فهي قد علمت أن مَن في بطنها هو الله، لكنها لم تتفاخر، بل ها هي تقول هوذا أنا أمة الرب. وفي اللحظة التي قبلت فيها العذراء كلام الملاك جبرائيل، وقدمت الطاعة لله، قبلت التجسد وبدأ الوعد بالخلاص يتحقق.

والآن، علينا ألا نستخف بدورنا، فدور كل واحد منا لا يقل أهمية عن دور العذراء. فكما حملته القديسة مريم العذراء في أحشائها، نحمله نحن أيضًا في ذاتنا بالمناولة المقدسة. فهل نختار أن نكون للرب كما كانت مريم؟ لا ننسى أبدًا أنَّ الله يقدس الحرية الإنسانية ويتعاون معها لعمل الخلاص. 

::: قراءة آبائيّــة  :::

أُمُّكَ رَبَّنَا لا يَعْرِفُ أَحَدٌ كَيفَ يَدعوها.
أَيَدعوهَا بَتولاً؟ ها إبْنُهَا حاضِر!
أَيَدعوها مُتَزَوِّجَة؟ لَم يَعرِفها رَجُل!
وَإذا كَانت أُمُّكَ لا تُدرَك، فَأَنْتَ مَنْ يُدْرِكُكَ؟

لَكَ التَّسْبِيْحُ يا مَنْ يَسْهُلُ لَدَيْهِ الكُلّ، كَرَبِّ الكُل.

إنَّها أُمُّكَ هِيَ وَحْدَهَا. وَإنَّهَا أُخْتُكَ مَعَ الجَميع.
صارَتْ لَكَ أُمًّا، صَارَتْ لَكَ أُختًا،
وَإنَّهَا خِطِّيبَتُكَ مَعَ العَفيفَات.
بِكُلِّ شَيءٍ زَيَّنْتَهَا، يَا جَمَالَ أُمِّهِ.

كانَت مَخطوبَة حَسَبَ الطَّبيعَة قَبْلَ مَجيئِكَ
وَصَارَتْ حامِلاً بِخِلافِ الطَّبيعَة،
بَعْدَ مَجيئِكَ، أَيُّها القُدُّوْس.
وَمَكَثَتْ بَتولاً، إذ وَلَدَتْكَ بالقَدَاسَة.

عَجَبٌ هِيَ أُمُّكَ. دَخَلَهَا سَيِّدًا فَصَارَ عَبْدًا
دَخَلَ ناطِقًا فَصَمَتَ في دَاخِلِهَا
دَخَلَهَا رَعْدًا فَصَمَتَ صَوْتُهُ.
دَخَلَ راعِي الكُلّ فَصَارَ فيهَا حَمَلاً. خرج وهوَ يَثغو.

قَلَبَ الأَنظِمَة حَشَا أُمّك، يَا مُنَظِّمَ الكُل.
دَخَلَ غَنِيًّا، فَخَرَجَ فَقيرًا!
دَخَلَهَا سامِيًا، فَخَرَجَ مُتَوَاضِعًا.
دَخَلَهَا بَهاءً، فَخَرَجَ لابِسًا لَوْنًا حَقيرًا.

(قِراءَةٌ من مار أفرام السرياني (†373)- أناشيد الميلاد- الأم البتول والإبن العَجيب) 

::: تــــأمّـل روحي :::

(سبق نشره في 2017)

"يا ممتلئة نعمة"

في بيتٍ كسائر بيوت الناصرة، فتاة يانعة أسمها مريم، لم تأخذها الأعمال المنزلية اليوميّة من الصلاة والغوص في الكتاب المقدّس، فقلبها كان يقودها دومًا إلى المكان الّذي تحبّه، إلى حضرة الله لتتحاور معه بترنيم المزامير وقراءة الأسفار التي غرفت منها كلّ معرفةٍ، وعمّقت علاقتها به، وملأت قلبها بالسلام، متأمّلةً بالنبؤات الممهِّدة لمجيء يسوع المخلّص، مؤمِنةً بالوعد المنتظر.

هناك في عمق سرّ ذلك البيت الصغير وهدوئه، حديثٌ من بضع كلماتٍ تكلّلت بالـ"نعم" تبادلها الملاك مع تلك الصبيّة، كان كافيًا لإعلان السرّ العظيم ودخول البشرية في تاريخ الخلاص: إنّ الله آتانا.

آتانا وكشف لنا كم أنّ الحبّ لا يحتاج إلى الهياكل والقصور ولا إلى المخمل والحرير، ولا إلى الماس والحواشي من الناس، ولا إلى كمال الأجسام وسطحية الحياة والآنية والماديّة...، هو فقط يبحث عن قلبٍ صغيرٍ يعرف كيف يكون حرًّا، يستقبل ويَهَب دون قياس.

هذه أنتِ يا مريم يا عروسة الروح القدّوس وإبنة الآب، هذه أنتِ التي آمنت دون أن تعرف شيئًا، فكنتِ حاضرة حين بشّرك، وحلّ في حشاك كلمته ليهبك نعمة الأمومة الفائقة وأنتِ بتول.

وثقتِ لأنّك تعلمين أن الله صادقٌ في وعوده وأمينٌ. وثقتِ ولم تغلقي ولو لمرّةٍ باب إنتظاره لأنّ قلبك كان ملتهبًا بحبّه، فما أن سلّم عليك وناداك ذلك اليوم بإسمك الجديد: "يا ممتلئة نعمة"، حتى شعرت بحضورٍ ليس ببشريّ، وحين عرفته أدركت، بتواضعك الكبير، أن العريس المنتظر قد أتى، فـ"ظلّلتك نعمة العليّ" وبحلوله لم يعد حضوره بالروح فقط بل أصبح حاضرًا بالجسد أيضًا.

إبتهاجك الوديع يا مريم فتح قلبنا على جمال الأمومة (الأمومة الجسدية بالزواج كما الأمومة الروحية بالتكرّس) وما تحمله من مسؤوليّة رسوليّة وأسمًا جديدًا لكلًّ منّا. إبتهاجك أعلن ويعلن عن حضور الله بيننا ويضفي لمسة حنانٍ على حياتنا المترنّحة بين الأحزان والمصاعب. إيمانك فاض فيك إبتهاجًا ("ها أنا أمة للربّ") وجعلك تتولّين مسؤولية حياتك وحياة الرسل والبشرية جمعاء وتسيرين معها يومًا بيوم ولحظةً بلحظة.

بالظاهر بقيتِ كما أنتِ يا مريم، لكنّ النور الّذي ملأك أضاء أعماقك بإدراكٍ مختلف على ضوء الكلمة، ورسالة السماء لك أدخلتك في تأمّلٍ عميق من نوعٍ جديد لتتجلّى مفاعيلها في حياتك يومًا بعد يوم، وحظيت بأمومة طفلٍ لا يشبه أيًا من أطفال الأمهات قاطبةً، جاعلاً منك أمًا إختبرت فرحًا لا يوصف، فرحًا لم تختبره أيًا من أمهات العالم: أمًا- عذراء ووالدة الإله.

أنتِ التي لم تنظري إلى ذاتك يا بتول إلاّ من خلال الله وعلى ضوء الإيمان فتواضعت حتى الثمالة، ساعدينا اليوم لِنفهم عطيّة هذا النور الّذي لبسناه في المعموديّة كي لا تتعثّر خُطانا في مسيرتنا نحو الآب. ساعدينا أن نتعلّم كيف ننظر إلى ذواتنا من خلال الله مثلك بدل أن نقف أمام مرآة ذاتنا حيث لا نرى إلّا الّذي نرغب في أن نراه، ونتجاهل ما يشوّه قلبنا ونفسنا.

أنتِ التي خوفك لم يكن خوف الجبان بل خوفًا يتدفّق تواضعًا، ساعدينا كي ندرك أنّه بالتواضع نستطيع أن نكتشف الحبّ الّذي وهب لنا ذاته بالمجّان بكلّ ما له. علّمينا يا فائقة القداسة كيف نفهم أنّ نوره يكشف لنا أنّنا لسنا أشخاصًا نتمتّع بكرامةٍ كبيرة فقط، بل وأكثر من ذلك بكثير: إننا أبناء الله بيسوع المسيح.

فيا أمّنا، إستمدّي لنا كلّ نعمة ترفعنا من تراب العالم وتُحوّل خوفنا من اللحظة إلى ثقة وإيمانٍ ثابت بحنان الله، وتزيّننا بالتواضع حتّى إذا ما باغتنا "الملاك" يجدنا منتظرين مستعدّين حاضرين. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

"إفرحي يا عروسًا لا عروس لها"

ربّي وإلهي ... يا فاحص القلوب ... هل لي أن أسألك إن دخل الخوف لقلب العذراء مريم ولو لوهلة؟ هل خافت من الملاك أو مِمّا يترتب على كونها ستُصبح أم "القدوس إبن الله"؟ أو لعل إمتلاءها بالنعمة جعل ثقتها بك فوق أي شيئ حتى مخاوفها؟ أجل، مَن منّا لا يخاف من المجهول وما يُخبِّئ له الزمان إلا مَن كان إيمانه بك، والّذي يُعبّر عنه مقدار ثقتهُ بك، هو فوق أي شيئ: الزمان والمكان والإنسان الآخر.

ربّي وإلهي ... إن سألتُ نفسي ما هو الدور الّذي إخترتني لأقوم به، وهل بتأديته أو حتى ببدء مراحله الأولى قلت لك "نَعَم"؟، لسمعتُ صوتًا يهمس بقلبي الّذي أَحَبَّكَ: "أخْبِري الآخرين عنّي وكم أحببتُكِ وكيف إفتديتُكِ، أخْبِريهم عن شوقي لهم وللتقرّب منهم لينالوا ميراثًا فيُشاركوني مجلسي، أخْبِريهم بأنني أعتبرهم أبناءً لي فيا ليتهم يتقرّبون مني ويصرخون لي بالروح 'أبّا'. علّميهم محبّة البنوّة المولودة منكِ بأعمالك، خذيها لهم وأرشديهم عليها، وثقي بأنني سأسبقك بروحي، وأحْبِبيهم بها ليأتوا إليَّ مُسبحين ومُقدّسين أسمي القدّوس"، وعرفتُ أنّ نَعَمي مازالت في قيد التحفُّظ تتأرجح بين خوفٍ وإحترام فكر الآخر وإن كان مخالفًا عن فكرك فتقف دون حراك.

ربّي وإلهي ... يا مَن إخترت العذراء مريم لتكون ممثلاً عن بيعتك فتَجَسّدَ منها "الإبن القدّوس"، أنعم علينا بما نحتاجه، وأنت العالِم بما ينقصنا مِن نِعم لنمتلأ بما إمتلأت به العذراء مريم، فنعمل على إيصال رعيّتك إليك، العالم أجمع، ونُريهم الإبن ونُدخل محبّتك لهم في قلوبهم، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(سبق نشرها في 2014)

1- (المحتفل) في الأسبوعِ الثاني مِن زَمَنِ الميلاد، نُصَلِّي من أجلِ البيعة المُقَدَّسة، والمسؤولين فيها، خاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيديكتوس السادس عشر، بابا روما الفخري، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، وأبينا مار نصرالله، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ على إسمِكَ القدّوس، كَي يَعيشوا، على مِثالِ مَريَم، الأمانةَ للنَعَم الّتي أعلَنوها، نسألك يا رَب.

2- أعطِنا أن نَنالَ الوَعدَ الّذي وَعَدتَهُ لإبراهيمَ ولِنَسلِه، رُغمَ ضُعوفاتِنا وكَثرةِ آثامِنا، فنثِقَ بِأنَّك قادِرٌ أن تُقَدِّسَنا، فنَهتفُ مع مريَم: نحنُ أمتُكَ، فليَكُن لنا بِحَسَبِ قَولِك، نسألك يا رب.

3- لأنَّهُ ليسَ علَيكَ أمرٌ مُستحيل، وفي زمنِ الخصوبةِ هذا، نضَعُ أمامكَ كلَّ مَن يتوقُ للإنجابِ، أحلَّ عليهم روحَكَ المُحيِي، فتحيَا أحشاءَهُم، وتلدَ البنينَ والبنات، نسألك يا رب.

4- نضَعُ أمامكَ جميعَ المَرضَى، وخاصَّةً مَن طالَ مَرَضُهُم وفقدوا الأمل، إستَجِب طِلبَتَهُم بالشِفاءَ، وإمنَحِ الصَبرَ والتَفَهُّم لِمَن يُحيطُ بِهم، فيُعاملوهُم بِحُبٍّ ورأفة، نسألكَ يا رب.

5- (المحتفل) نُصَلّي مِن أجلِ مَن فارقونا في هذه الحياة، إستقبِلهُم بِنعمتِكَ، وأدخِلهُم المنازلَ المُعَدّة لهم، وإمنحِ العزاءَ لِمَن يَفتقِدَهُم، وإغفِر لنا ولهُم الخطايا والزلاّت.

 

صلاة شكر للقدّاس

(سبق نشرها في 2014)

منذُ البَدءِ خَلَقتَنا، وَحَسُنَت في عَينَيكَ خَليقتُكَ،
وعدتَ إبراهيمَ ونسله بالميراثِ الأبديّ،
وما نَسلُهُ إلاّ المسيحَ ومَن يؤمنُ به،
ولِتَحقيقِ وَعدِكَ، مَنحتَ العاقِرَ ولدًا، والعذراءَ طِفلاً،
فما مِن مُستَحيلٍ لَدَيكَ،
نشكرك، على ثِقَتِكَ بنا، وعلى حُبِّكَ لنا،
نشكرك على جسدِ إبنِكَ ودمِهِ،
نسجدُ أمامكَ، ونحمدُك مع إبنك وروحِكَ القُدّوس، من الآن وإلى الأبد، آمين.


 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة والصلاة

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

المقدّمة، أفكار من الرّسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الخوري شارلي عبدالله
yechou3@hotmail.com
https://www.facebook.com/mchi7o

 

 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

قراءة آبائيّة
من إعداد
الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts