الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن الميلاد

أحد بشارة زكريا
(18 تشرين الثاني 2018)

::: مـدخــل :::

1. في هذا الأحد المبارك، نتأمّل في ما يجب أن يكون عليه إيماننا عملياً وبخاصّةٍ مع تأمّلنا لإيمان أبينا إبراهيم ولموقف الكاهن زكريّا!
2. في الرّسالة، نتأمّل في حديث مار بولس عن إيمان أبينا إبراهيم الّذي هو إعلان طريق البرّ الحقيقي من خلال الإيمان.
3. في الإنجيل، نجد بأن زكريا قد انحصر في مشكلته الخاصة في حين كان عليه ككاهن أن يصلّي ليتمم الله وعده ويرسل المخلص و أن يدرك أن الملاك ينبهه أن ابنه المنتظر هو الشخص الذي سيُهيئ الطريق للخلاص فيفرح ويسبِّح الله.
4. لنتأمّل في هذا الأحد في مفهوم الإيمان ولنسأل الله القوّة لنحيا هذا الإيمان بكلّ أبعاده في حياتنا الخاصّة والعامّة. 

::: صـلاة :::

أيّها الآب السماوي، يا منبع إيماننا، نشكرك في هذا الأحد على نعمة الإيمان بك وبإبنك الفادي وبعمله الخلاصيّ من أجلنا وبروحك القدّوس وبعمله الدؤوب في حياتنا من أجل تقوية هذا الإيمان وتدعيمه بكلّ الوسائل، يا من بك يليق كلّ مجدٍ وإكرام، الآن وكلّ أوانٍ وإلى دهر الدّاهرين، آمين. 

::: الرسالة :::

1. فَالْوَعْدُ لإِبْرَاهيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ بِأَنْ يَكُونَ وَارِثًا لِلعَالَم، لَمْ يَكُنْ بِواسِطَةِ الشَّرِيعَة، بَلْ بالبِرِّ الَّذي نَالَهُ بالإِيْمَان.
2. فلَوْ كَانَ أَهْلُ الشَّرِيعَةِ هُمُ الوَارِثِين، لأُبْطِلَ الإِيْمَان، وأُلْغِيَ الوَعْد؛
3. لأَنَّ الشَّرِيعَةَ تُسَبِّبُ غَضَبَ الله؛ وحَيْثُ لا شَرِيعَة، فَلا تَعَدِّيَ لِلشَّرِيعَة.
4. لِذلِكَ فَأَهْلُ الإِيْمَانِ هُمُ الوَارِثُون، لِكَي تَكُونَ الوِرَاثَةُ هِبَةً مِنَ الله. وهـكَذَا تَحَقَّقَ الوَعْدُ لِكُلِّ نَسْلِ إِبْرَاهيم، لا لِلنَّسْلِ الَّذي هُوَ مِنْ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ فَحَسْب، بَلْ أَيْضًا لِلنَّسْلِ الَّذي هُوَ مِنْ أَهْلِ الإِيْمَان، إِيْمَانِ إِبْرَاهِيم، الَّذي هُوَ أَبٌ لَنَا أَجْمَعِين؛
5. كَمَا هُوَ مَكْتُوب: "إِنِّي جَعَلْتُكَ أَبًا لأُمَمٍ كَثِيرَة". فَإِبْرَاهِيمُ الَّذي آمَنَ باللهِ هُوَ أَبٌ لَنَا أَمَامَ الله، الَّذي يُحْيي الأَمْوَات، ويَدْعُو غَيْرَ الـمَوْجُودِ إِلى الوُجُود.
6. وقَدْ آمَنَ إِبْرَاهيمُ رَاجِيًا عَلى غَيرِ رَجَاء، بِأَنَّهُ سَيَصيرُ أَبًا لأُمَمٍ كَثيرَة، كَمَا قِيلَ لَهُ: "هـكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ".
7. ولَمْ يَضْعُفْ بِإِيْمَانِهِ، بِرَغْمِ أَنَّهُ رأَى، وهُوَ إبنُ نَحْوِ مِئَةِ سَنَة، أَنَّ جَسَدَهُ مَائِت، وأَنَّ حَشَا سَارَةَ قَدْ مَات.
8. وبِنَاءً عَلى وَعْدِ الله، مَا شَكَّ وَلا تَرَدَّد، بَلْ تَقَوَّى بالإِيْمَان، ومَجَّدَ الله.
9. وأَيْقَنَ مِلْءَ اليَقِينِ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُنْجِزَ مَا وَعَدَ بِهِ.
10. فَلِذلِكَ حُسِبَ لَهُ إِيْمَانُهُ بِرًّا.
11. ولَمْ يُكْتَبْ مِنْ أَجْلِهِ وَحْدَهُ أَنَّهُ "حُسِبَ لَهُ بِرًّا"،
12. بَلْ كُتِبَ أَيْضًا مِنْ أَجْلِنَا، نَحْنُ الَّذِينَ سَيُحْسَبُ لَنَا بِرًّا، لأَنَّنَا نُؤْمِنُ بِالَّذي أَقَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ يَسُوعَ رَبَّنَا،
13. الَّذي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ زَلاَّتِنَا، وأُقيمَ مِنْ أَجْلِ تَبْريرِنَا.

(الرّسالة إلى أهل روما – الفصل 4 – الآيات 13 إلى 25) 

::: تأمّـل من وحي الرسالة :::

إن غاية حديث القديس بولس عن إيمان إبراهيم هو إعلان طريق البرّ الحقيقي من خلال الإيمان. فقد تبرّر إبراهيم بالإيمان لكي نتبرّر نحن أيضًا معه كأبناء له نحمل ذات إيمانه. لأننا نؤمن بنفس الإله الذي آمن به إبراهيم، ونثق في ذات الأمور التي وثق فيها، فما حدث لإبراهيم ليس خاصًا به وحده، وإنما يُحدّث مع الكل.

فما هي مادة إيمان إبراهيم؟ مادته هي أن الله "يحيي الموتى، ويدعوا الأشياء الغير موجودة كأنها موجودة". و من هم الموتى الذين يُحييهم؟ أو ما هي الأشياء الغير موجودة التي يدعوها كأنها موجودة؟ ولنا هنا ثلاثة اعتبارات:

أولًا: أحشاء سارة التي تشبه الميّت الذي لا يحمل حياة، وقد وهبها الله اسحق من خلال هذه الأحشاء الميّتة. و الجدير بالذكر أن ما ناله إبراهيم من وعدٍ كان "على خلاف الرجاء"، إذ لم يُنظر قط أن إنسانًا قبله نال ابنًا بهذه الطريقة، وإنما صار هو مثلًا لمن جاء بعده. هو ترجّى الله الذي يُقيم من الموت ويهب حياة، فآمن بالله أنه يعطيه نسلًا كما من العدم، فاتحًا باب الرجاء لمن جاء بعده ممن أنجبوا في شيخوختهم من خلال زوجات عاقرات.

ثانيًا: آمن إبراهيم بتمتعه بالأبوة، ليس فقط لإسحق الذي وهبه الله إيّاه في فترة شيخوخته، ومن خلال أحشاء سارة التي كانت في حكم الموت، وإنما أيضًا لأمم كثيرة، هي بحسب الإيمان ميّتة لا تحمل بنوّة له، لكن الله يُقيمها من هذا الموت ويقدّمها لإبراهيم أبناءً له.

ثالثًا: إن كانت الخطيّة قد أفقدت الإنسان حياته وجعلته كمن هو غير موجود، فبالإيمان ينعم الإنسان ببرّ المسيح كمن قد أقيم من الموت، أو صار موجودًا بعد فقدانه، كقول الأب عن ابنه الراجع إليه: "لأن أخاك هذا كان ميتًا فعاش، وكان ضالا فوُجد" (لو15: 32). لذلك نحن لدينا سلاحًا روحيًا يجب أن نلتزم باستخدامه، هو الإيمان باسم ربنا يسوع المسيح، هذا الاسم قادرٌ على شفائنا داخليًا و على منحنا الحياة، إن نطق أحدٌ بهذا الاسم ولم يُشفَ، فبسبب عدم إيمانه وليس عن ضعف في القول ذاته. لأن كثيرين التفوا حول يسوع وكانوا يضغطون عليه ولكنهم لم ينتفعوا منه، أمّا المرأة نازفة الدم مثلاً، فحتى دون أن تلمس جسده، وإنما بمجرد لمس هُدب ثوبه أوقفت ينبوع دمها الذي طال أمده.

بمعنى آخر ليتنا نتعلم أن الله يتمّم مواعيده معنا مهما كانت العوائق أو المعطّلات. إذ لقد نال إبراهيم الوعد، لا بميلاد اسحق كما من العدم، وإنما بأبوّته لأمم كثيرة، لا خلال الجسد وإنما خلال الإيمان. ونحن، لقد كنا غير موجودين، فخلقنا الله ووهبنا الوجود، أفلا يهتم بنا الآن، هذا الذي يدعو الأشياء غير موجودة كأنها موجودة؟

وأي عذر لنا نقدّمه، إن كان ظل (الرسل) وثيابهم أقاموا موتى (أع5: 15)، بينما صلواتنا لا تنزع عنّا شهواتنا وعاداتنا السيئة؟ ما هو علّة هذا؟ فإن طبيعة القديسين هي كطبيعتنا، وُلدوا ونشأوا مثلنا...، لكنهم من جانب آخر كانوا أعظم وأفضل منّا من جهة الإيمان. إذن لنقتد بهم، ولنسمح للمسيح الذي يُحبنا أن يعمل فينا، فإنه يرغب في هذا أكثر منّا. و ليس الكلام هنا لكي نقيم الموتى ونطهر البرص...، إنما لنحقق معجزة أعظم من هذا كله هو عيش و إعلان المحبّة الإلهية التي تقدِّسنا.

إذن ليكن لنا كإبراهيم أبينا الإيمان بالوعد الإلهي، فننال لا القدرة على عمل المعجزات، إنما ما هو أعظم ننال "الحب" الحقيقي في الرب، فننعم بسكنى الثالوث القدوس فينا وهو حياتنا و خلاصنا وفرحنا ومجدنا الأبدي، وهذه هي القيامة الأولى التي لنفوسنا! 

::: الإنجيل :::

1. بِمَا أَنَّ كثيرينَ أَخَذُوا يُرَتِّبونَ رِوَايةً لِلأَحْدَاثِ الَّتي تَمَّتْ عِنْدَنا،
2. كَمَا سَلَّمَها إِلَيْنَا مَنْ كَانُوا مُنْذُ البَدْءِ شُهُودَ عِيَانٍ لِلْكَلِمَة، ثُمَّ صَارُوا خُدَّامًا لَهَا،
3. رَأَيْتُ أَنا أَيْضًا، أَيُّهَا الشَّرِيفُ تِيُوفِيل، أَنْ أَكْتُبَها لَكَ بِحَسَبِ تَرْتِيِبهَا، بَعْدَما تَتَبَّعْتُهَا كُلَّها، مُنْذُ بِدَايَتِهَا، تَتَبُّعًا دَقيقًا،
4. لِكَي تَتَيَقَّنَ صِحَّةَ الكَلامِ الَّذي وُعِظْتَ بِهِ.
5. كَانَ في أَيَّامِ هِيرُودُس، مَلِكِ اليَهُودِيَّة، كَاهِنٌ أسْمُهُ زَكَرِيَّا، مِنْ فِرْقَةِ أَبِيَّا، لهُ إمْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ هَارُونَ أسْمُها أليصَابَات.
6. وكَانَا كِلاهُمَا بَارَّيْنِ أَمَامَ الله، سَالِكَيْنِ في جَمِيعِ وصَايَا الرَّبِّ وأَحْكَامِه بِلا لَوْم.
7. ومَا كَانَ لَهُمَا وَلَد، لأَنَّ أليصَابَاتَ كَانَتْ عَاقِرًا، وكَانَا كِلاهُمَا قَدْ طَعَنَا في أَيَّامِهِمَا.
8. وفِيمَا كَانَ زَكَرِيَّا يَقُومُ بِالخِدْمَةِ الكَهَنُوتِيَّةِ أَمَامَ الله، في أَثْنَاءِ نَوْبَةِ فِرْقَتِهِ،
9. أَصَابَتْهُ القُرْعَة، بِحَسَبِ عَادَةِ الكَهَنُوت، لِيَدْخُلَ مَقْدِسَ هَيْكَلِ الرَّبِّ ويُحْرِقَ البَخُور.
10. وكَانَ كُلُّ جُمْهُورِ الشَّعْبِ يُصَلِّي في الـخَارِج، في أَثْنَاءِ إِحْرَاقِ البَخُور.
11. وَتَراءَى مَلاكُ الرَّبِّ لِزَكَرِيَّا وَاقِفًا مِنْ عَنْ يَمِينِ مَذْبَحِ البَخُور،
12. فَإضْطَرَبَ زَكَرِيَّا حِينَ رَآه، وإسْتَولَى عَلَيْهِ الـخَوف.
13. فقَالَ لهُ الـمَلاك: "لا تَخَفْ، يَا زَكَرِيَّا، فَقَدِ إسْتُجيبَتْ طِلْبَتُكَ، وَإمْرَأَتُكَ ألِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ إبْنًا، فَسَمِّهِ يُوحَنَّا.
14. ويَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَإبْتِهَاج، ويَفْرَحُ بِمَوْلِدِهِ كَثِيرُون،
15. لأَنَّهُ سَيَكُونُ عَظِيمًا في نَظَرِ الرَّبّ، لا يَشْرَبُ خَمْرًا ولا مُسْكِرًا، وَيَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ وَهُوَ بَعْدُ في حَشَا أُمِّهِ.
16. ويَرُدُّ كَثِيرينَ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ إِلى الرَّبِّ إِلـهِهِم..
17. ويَسيرُ أَمَامَ الرَّبِّ بِرُوحِ إِيلِيَّا وقُوَّتِهِ، لِيَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلى الأَبْنَاء، والعُصَاةَ إِلى حِكْمَةِ الأَبْرَار، فيُهيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُعَدًّا خَيْرَ إِعْدَاد".
18. فقالَ زَكَرِيَّا لِلْمَلاك: "بِمَاذَا أَعْرِفُ هـذَا؟ فإِنِّي أَنَا شَيْخٌ، وإمْرَأَتي قَدْ طَعَنَتْ في أَيَّامِهَا!".
19. فأَجَابَ الـمَلاكُ وقالَ لهُ: "أَنَا هُوَ جِبْرَائِيلُ الوَاقِفُ في حَضْرَةِ الله، وقَدْ أُرْسِلْتُ لأُكَلِّمَكَ وأُبَشِّرَكَ بِهذَا.
20. وهَا أَنْتَ تَكُونُ صَامِتًا، لا تَقْدِرُ أَنْ تَتَكَلَّم، حَتَّى اليَوْمِ الَّذي يَحْدُثُ فِيهِ ذلِكَ، لأَنَّكَ لَمْ تُؤْمِنْ بِكَلامِي الَّذي سَيَتِمُّ في أَوَانِهِ".
21. وكَانَ الشَّعْبُ يَنْتَظرُ زَكَرِيَّا، ويَتَعَجَّبُ مِنْ إِبْطَائِهِ في مَقْدِسِ الـهَيْكَل.
22. ولَمَّا خَرَجَ زَكَريَّا، لَمْ يَكُنْ قَادِرًا أَنْ يُكَلِّمَهُم، فأَدْرَكُوا أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا في الـمَقْدِس، وكَانَ يُشيرُ إِلَيْهِم بِالإِشَارَة، وبَقِيَ أَبْكَم.
23. ولَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ خِدْمَتِهِ، مَضَى إِلى بَيْتِهِ.
24. وبَعْدَ تِلْكَ الأَيَّام، حَمَلَتِ إمْرَأَتُهُ ألِيصَابَات، وكَتمَتْ أَمْرَهَا خَمْسَةَ أَشْهُر، وهِيَ تَقُول:
25. "هـكَذا صَنعَ الرَّبُّ إِليَّ، في الأَيَّامِ الَّتي نَظَرَ إِليَّ فِيهَا، لِيُزيلَ العَارَ عَنِّي مِنْ بَيْنِ النَّاس!".

(إنجيل القدّيس لوقا – الفصل 1 - الآيات 1 إلى 25) 

::: تـــأمّل من وحي الإنجيل :::

بعد قيامة ربنا يسوع المسيح، سار الرسل على طريقته في التعليم الشفوي وتعريف الناس الوقائع البارزة في سيرته. وكان من الصعب عليهم وحدهم بطبيعة الحال أن يقوموا بكل التعليم، فبدأ كثيرون يألّفون كتبًا في محاولات شخصية وليست من إرشاد الروح القدس لتعليم الناس عن الخلاص المسيحي، ويبدو أنها كانت مشوَّهة و منقوصة. ويخبرنا القديس لوقا انه كان حريصًا أن يتتبع كل الأحداث والقصص من البداية وبتدقيق حتى ينقل لنا التعليم السليم عن ربنا ومخلصنا يسوع المسيح خاليًا من أي انحراف. لذلك رأى لوقا وهو الذي يعرف ما يتعلق بالإيمان بيسوع المسيح بكل يقين، أن يكتب هو كتاب البشارة الصحيحة، كما سلمها إليه الذين كانوا معاينين وخدامًا للكلمة، وهذا لا يعني مجرد الرؤية الجسدية، إذ كان كثيرون قد رأوا المسيح حسب الجسد ولكنهم لم يدركوا شخصه ولا تمتعوا بعمله الخلاصي. فالاكتفاء بالمعرفة دون تطبيقها هو علمٌ بلا نفع. فمن عرف المسيح ورآه رؤية إيمانية لا يستطيع إلا أن يخدمه ويشهد له.

لقد توقفت النبوة عن شعب الله حوالي أكثر من ثلاثة قرون، وساد الجو فتور ويأس، وحتى الظروف السياسية كانت قاسية تحت حكم هيرودس الكبير. ووسط جوٍّ قاتمٍ دينيًا وسياسيًا، كان زكريا وزوجته أليصابات، وكانا بارين أمام الله، ويحفظان وصاياه وأحكامه، ونلاحظ أنهما مع كونهما بارين أنهما كانا محرومين من الأطفال، فليس معنى أن أكون باراً أمام الله أن على الله أن يستجيب كل طلباتي. فهو وحده يعرف ما هو الصالح لي. ومتى وكيف وأين يستجيب لطلباتي.

كان زكريا يُصلي ليعطيه الرب نسلًا. وبدأت السماء تعد الطريق للمخلص، وأخذ جبرائيل الملاك أمرًا من الله بأن يبشر زكريا بأن طلبته قد سُمعت، اضطرب زكريا لأن رؤية أهل السماء غريبة، لكن الملاك اهتم به وناداه باسمه شخصيًا ووهبه السلام. لعل زكريا قد نسى طلبته من الله، أو فقد رجاءه في الإنجاب، ولكن الله يعطي رغم نسياننا، فقد ذكر له ولامرأته طلباتهما ووعدهما على لسان الملاك أنه سيهبهما ابنًا يفرحهما ويفرح كثيرين أيضًا. وقال الملاك أن اسم المولود هو يوحنا أي "الله حنّان". لقد وعد الملاك زكريا بأن يوحنا "سيكون عظيمًا أمام الرب". والعظمة في نظر الله لا بكثرة السنين، ولا بقوة الجسد والأعمال الظاهرة. ولكن بالقلب الصادق الذي لا تسيطر أمور هذا العالم الحاضر، ويكون مملوءًا من الروح القدس، ويكون شغله الشاغل أن يرد كثيرين إلى الرب إلههم، ويهيء للرب شعبًا مستعدًا للقاءه. لم يصدق زكريا الملاك، فعاقبه بأن يبقى صامتًا، فهو الكاهن الذي كان عليه أن يتأكد من أن الواقف أمامه ملاك الرب، و يصدّق كلامه. فما كان يجب على شخص كزكريا الكاهن الدارس للكتاب المقدس أن يشك فهو يعلم أن الرب لا يستحيل عليه شيء، ويعلم أن ما يقوله سبق وحدث مع آخرين وربما حالتهم أصعب من حالته كإبراهيم وسارة.

نجد أن زكريا قد انحصر في مشكلته الخاصة ونسي وهو الكاهن الذي يعرف النبوات أن هناك مخلصًا سيأتي ليخلص العالم. وكان عليه ككاهن أن يتمسك بهذه النبوات ويصلي ليتمم الله وعده ويرسل هذا المخلص. وكان لا بُد لهذا الكاهن البار أن يدرك أن الملاك ينبهه أن ابنه المنتظر هو الشخص الذي سيُهيئ الطريق للخلاص، وبهذا فإن مجيء المخلص هو على الأبواب، إلا أن انحصاره في مشكلته الخاصة جعله لا يدرك ما يقال عوضًا عن أن يفرح ويسبِّح الله. بل هو شك كأنه يعاتب الملاك ويقول "لماذا لم تأت لي في شبابي؟ إن ما تقوله أيها الملاك لهو صعب الحدوث. و الآن، فكثيرون منا يريدون أن يحددوا لله توقيت استجابته لطلباتهم والطريقة التي يستجيب بها. وما هو الممكن وما هو غير الممكن. لو أعطى زكريا أذنه للنبوات وصدقها وفهمها - ولو أعطى أذنه للملاك جبرائيل لفهم كلامه وصدقه وبهذا يفرح لسببين:
1- الخلاص الآتي إلى العالم بالمسيا المنتظر، الذي ينتظره شعب الله، سيتم حالًا.
2- أن ابنه هو من يهيئ الطريق للمسيا المنتظر.
و بالنسبة لنا، هناك من ينحصر في مشكلته ويدخل في حالة يأس بالرغم من الغفران والتصالح مع الله بل والمجد الذي أعده المسيح لنا، و أيضًا بوجود مئات الآيات المملوءة وعودًا بالخلاص. ومثل هؤلاء يحسبون أن حل مشكلتهم أهم من الخلاص الذي أتى به المسيح. ولو فتحنا قلبنا للروح القدس لكنا فهمنا و لقلنا مع بولس الرسول "فاني احسب ان الام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد ان يستعلن فينا" (رو8 : 18).

والله يقول لنا ولهم، أنا أتذكر مشكلتكم وسأتحنن عليكم في الوقت المناسب. فلنقف أمام الله ونصلي أن نمتلئ من الروح القدس الذي يفتح قلوبنا فنفرح بوعود الله المعزية، ونفرح بالخلاص الذي تم وبالسموات التي فتحت لنا وبالمجد العتيد أن يستعلن فينا كأبناء لله محبوبين منه. ونقول مع بولس الرسول: "ولكن لما جاء ملء الزمان، ارسل الله ابنه مولودا من امرأة، مولودا تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس، لننال التبني. ثم بما انكم ابناء، ارسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخا يا آبا الآب. إذاً لست بعد عبدا بل ابنا، وان كنت ابنا فوارث لله بالمسيح" (غل4 : 4 - 7). حقًا سنرث المجد الذي أعده لنا المسيح بفدائه. فإذا فتح الروح القدس أذاننا سنفهم وعود الله وما حصلنا عليه فتتضاءل مشكلتنا أمام ما أعده الله لنا من مجد. وحينئذ ستنفتح أفواهنا بالتسبيح. 

::: قراءة آبائيّــة  :::

قَرَأَ اليَهودُ هذه النُّبوءات، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَفهَموها. لأَنَّهُمْ سَتَرُوا آذان قُلوبِهِم لِكَي لا يَسْمَعُوا. أمَّ نحنُ فَنُؤمِن بِيَسوع المَسيح الذي تَجَسَّدَ وَصَارَ إنْسَانًا، وَإنْ كُنَّا لا نَسْتَطيعُ مَعْرِفَةَ الكَيْفِيَّة التي تَمَّ بِهَا ذلِك. وَبِمَا أنَّهُ لا نَسْتَطِيعُ أن نَرَاهُ كَمَا هُوَ وَلا أَنْ نَتَمَتَّعَ بِهِ، فقد صَارَ وَاحِدًا مِنَّا لِكَيْ نَتَمَكَّن هكذا أنْ نَتَمَتَّعَ بِهِ.

(قراءة من القدّيس كيرلُّس الأُورشَليمي (†387)- العظة 12: 13) 

::: تــــأمّـل روحي :::

فرحين بالربّ

ظواهر وأفكار وبدع غريبة وُلِدت من رحم عالم اليوم المادّي والرغائبي بإمتياز، وتربّعت على عرش المعرفة المزعومةِ المرتكزة على كلّ ما هو منظورٌ محسوسٌ وملموس، لتُضعف توق من يبحث عن علاقة إيمانية بالله ولِتخمد نار من يرغب بالغوص في إنجيل الكلمة وطلب الحكمة خوفًا من أن يستنير ويملأه الروح من فرح الإيمان بما يكتشفه ويختبرو، فتنكشف ألاعيب الجهل والشرّ المعتدّة بنفسها وهي ظلماء. فمن هنا قامت أصوات تُوَشوش في الآذان بالشكّ في حقيقة حضور الله معنا في أيّ وقتٍ، ومن هناك ألسن تهبط من العزائم ساخرة من إيماننا بكرَمِه (الله) مقلِّلةً من شأن أبوّته الساهرة علينا في الحزن والشدة كما في الفرح والنجاح.

في وسط هذه المعمعة كثرنا نحن الّذين فقدنا الإصغاء لصوت الخالق بحيث فقدنا البوصلة ولم يعد من السهل علينا أن نكتشف أنّ كلّ واحدٍ منّا هو مدعو باسمه ليكون حنان الله ونعمته وحبّه في العالم كما كان يوحنّا (الله تحنّن). نحن،الآباء والأبناء، الأغنياء والفقراء، الفهماء والبسطاء، لم ولن تتغيّر دعوتنا إلى عيش الحبّ الّذي يؤكّد على أنّنا من الله خرجنا، ونبض قلبنا من فيه ( نفخ فينا من روحه)، بالتالي سيكون ذلك سبب فرحٍ لنا،لأهل بيتنا ولكثيرين حتّى للّذين لم يدركوا بعد أن طعم هذه الثمرة الفريد ما هو إلاّ نتيجة زهرة حبّ الآب المغروس في أعماقنا.

صحيح أن العولمة تجتاح عصرنا الحاضر، والتكنولوجيا، على حسناتها وخدماتها الجلّى، توطّأت في كلّ جيبٍ: من الطفل حتّى الكهل، من خلال وسائل التواصل الإجتماعي، لتفتح أبوابًا شتّى في كلّ بقاع الأرض على كلّ ما هو جديد، وباتت الحضارات أمام ناظريك ماثلةً بكبسة زرٍ تتصفحها فتنزلق لساعات دون أن تعي في غريبها والمغري منها. ويبدأ الخطر بالتسلّل إلى فكرك ورغباتك الطبيعية الرقيقة، فيأخذ بتعريتّها من قدسية هويّتها الحقيقية ليقذف بها في المجهول ليلبسها ما لذّ له.

لنتوقّف برهة أمام هذا الواقع الأليم متأمّلين في حياتنا اليوميّة وعلاقتنا بأبينا السماوي، هل ننتبه أنّه وضع عينه على كلٍّ منّا وأحبّه حبًا فريدًا وخصّه بمشروعٍ يليق بشخصه؟ هل ما زلت غير مبالٍ أو مشكّكاً بأنّه حضوره دائم في حياتنا؟ كم مرّة حاولت أن أستميل قلب أولادي نحو الله بالفعل لا بالقول فقط؟ هل أصغيت إلى حاجاتهم الحقيقية ورافقتهم وحميتهم من هجمات الأفكار الشاذة واللاأخلاقية المستوردة التي تؤدّي إلى الإنحراف أو السلوك السيّء؟ وقساة القلوب والمشككين وظالمِيَّ والمفترين و...، هل حاولت أن أرفعهم بصلاتي وأظهر لهم القليل من الرحمة ببسمةٍ أو بنظرة لطيفة؟ هل تجرّأت على الوقوف أمام التجاوزات ورفضت الخنوع للإغراءات الماديّة والنصبية والرشوة وغيرها؟

هذا العالم الّذي يبنيه أولادنا اليوم هو نتيجة وقفتنا الأولى المسؤولة في تربيتنا لهم: إمّا نكون مشكّكين بما أعطاه الله لنا لمشروعه الشخصي لنا فنعجز عن مساعدتهم في إكتشاف صورته ومثاله فيهم، إمّا متواضعين بقبولنا لعطيّته فرحين شاكرينه عليها بإيمانٍ لا عيب فيه فنتبادل فيض حبّه مختبرينه بثباتٍ ورجاء كبير في بناء كنيستنا المنزليّة الصغيرة ومنها ننطلق مع الآخرين نحو كنيسة الغدّ الأكبر المتجدّدة فريحين مع الربِّ مردّدين مع أليصابات: "هـكَذا صَنعَ الرَّبُّ إِليَّ، في الأَيَّامِ الَّتي نَظَرَ إِليَّ فِيهَا، لِيُزيلَ العَارَ عَنِّي مِنْ بَيْنِ النَّاس!" (لو 25:1). 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربي وإلهي ... إبراهيم وزكريا كلاهما أشركتهما بتنفيذ وعدك الأول للإنسان بالحياة الأبدية وخصوبة الإثمار. أحدهما تميَّز عن الآخر بطول الأناة التي تتطلبها الثقة بوفاءِك لوعدك مهما طال الزمن ومهما صعبت الظروف وأصبح من المستحيل بالنسبة للإنسان أن يُتمَّ تحقيقها. بالنسبة للإنسان فإن ما يحتاجه لتغيير الظروف هو "طوفان" يقضي بالكامل على ما هو خطأ ليبقى الصح فقط، أما بالنسبة لك فأنت قادرٌ أن تفعل المستحيل دون إبادة شاملة وهذا ما حدث بالفعل.
 

ربي وإلهي ... لعلك قصدت من "الطوفان" الّذي حدث في أيام نوح أن تُرينا بأنه ليس حلاً، فالإنسان غالبًا ما يعود إلى "الإبتعاد عنك"، ولذلك كان وهْبكَ للخلاص هبةً أبديةً لمن أراد أن يتقرّب منك ويُقرِن أسمه بإسمك ويُصبحُ إبنًا لك، وأضحى العمل بالتبشير من قِبل الإنسان المؤمن هو دالة لإتمام تحقيق وعدك.

ربي وإلهي ... زدنا صبرًا وثقةً وإيمانًا فنكون سفراء أمينين لك حاملين حبّك للآخرين، ولك الشكر الجزيل على الدوام، آمين. 

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(سبق نشرها في 2014)

1. (المحتفل) في أسبوع بشارة زكريا، نضعُ بَينَ يَدَيكَ بيعتَك المُقَدَّسة، والمسؤولين فيها، خاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيديكتوس السادس عشر، البابا الفخريّ، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، وأبينا مار نصرالله، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ على إسمَك القدّوس، كَي يكونوا عُظماءَ في عَينَيك، مُمتَلئينَ دَومًا من الروح القدس، سائرينَ أمامكَ، عُيونُهم شاخِصَةً صَوبَكَ، نسألك يا رَب.

2. نُصَلّي ونطلُب وما مِن مُجيب، أعطنا أن نثِقَ بِكَ وبِحُبِّك اللامُتناهي لنا، فنُصَدِّقَ أنَّك لَن تَهَبَنا، مَهما ذَرَفنا مِن دُموع، ومَهما طالَت صَلاتُنا، إلاّ ما يُفيدُنا، ويكونُ خَيرًا لنا، نسألك يا رب.

3. في بِدايةِ زمنِ الخصوبةِ، زمنِ الميلاد، نضَعُ أمامكَ عُقمَنا الجسديّ والروحِيّ، لِتُحَوِّلَهما بِنِعمتِك إلى خصوبةٍ وافِرة، تلدُ البَنينَ والأعمالَ الصالحة، مهما شِخنا وقَسى علَينا الزَمَن، نسألك يا رب.

4. نضَعُ أمامكَ جميعَ المَرضَى، وخاصَّةً مَن طالَ مَرَضُهُم وفقدوا الأملَ بالشِفاء، إستَجِب طِلبَتَهُم وإمنَحهُم الشِفاءَ، وإمنَح مَن يُحيطُ بِهم، أن يُعاملوهُم بِحُبٍّ ورأفة، نسألكَ يا رب.

5. مرّاتٍ نُصَلّي كزَكريّا، ومرَّاتٍ أخرى نُصَلّي كَإبراهيم، إستجِب طِلبَتنا كما إستَجَبتَ لِزَكريَّا، وأعطِنا أن نؤمنَ كَإبراهيم، بِأنَّك قادرٌ على سَماعِ صلاتِنا وإستِجابةِ تضَرُّعاتِنا رُغمَ الشرِّ الّذي يُحيطُ بنا ويُضعِفُنا، ورُغمَ السنينَ الّتي مرَّت بِنا وأخذَت أجملَ ما لَدَينا، نسألك يا رب

6. (المحتفل) نَضَعُ أمامكَ جميعَ المُنتَقِلينَ مِن هذه الحَياة، إستَقبِلهُم بِرَحمتِكَ وإجعَلهُم مِن وَرَثَتِكَ، ولا تَنظُر إلى آثامِهِم، بَل أنظُر إلى المسيح الّذي أُسلِمَ مِن أجلِ زَلاّتِهم وزَلاّتنا، وأُقيمَ مِن أجلِ تبريرِهِم وتبريرِنا، غافِرًا لنا ولهُم الخطايا والزلاّت.

 

صلاة شكر للقدّاس

(سبق نشرها في 2014)

وعَدتَنا بالخَلاص، ونحنُ نؤمنُ بأنَّكَ قادرٌ أن تُنجِزَ ما وَعَدتَ به،
وعَدتَ إبراهيم بِتَكثيرِ نَسلِهِ، وها نَحنُ مِن نَسلِ إبراهيم، نؤمنُ بأنَّك سَوفَ تُحَقِّقُ وعدَكَ،
لَدَيكَ طُرُقَكَ الّتي لا نَفهَمُها، ولكنَّنا نؤمنُ بكَ أبًا، أخًا ومُقَوِّيًا،
ونشكركَ لأنَّك تُحاوِلُ دَومًا أن تشرَحَ لنا هذه الطُرُق،
نشكرك لأنَّك تعرفُنا أكثرَ مِمّا نعرفُ أنفُسَنا وتعرفُ ما هوَ الأفضَلُ لنا،
نشكرك على جسدِك ودمِكَ، نسجدُ أمامكَ، ونحمدُك مع إبنك وروحِكَ القُدّوس، من الآن وإلى الأبد، آمين.
 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة والصلاة

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

المقدّمة، أفكار من الرّسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الخوري شارلي عبدالله
yechou3@hotmail.com
https://www.facebook.com/mchi7o

 

 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

قراءة آبائيّة
من إعداد
الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts